من ميثاق المبادئ إلى حسابات السلطة : أين أصبحت الأحزاب بعد انتخابات 23 شتنبر 2026؟

مقال بقلم محمد العربي القباج

جاء تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، عقب انتخابات 23 شتنبر 2026، في سياق يتسم بتزايد انتظارات المواطنين، واستمرار التحديات الاجتماعية والاقتصادية، وتراجع الثقة في العمل الحزبي لدى فئات من المجتمع. وقد جمعت الأغلبية تركيبة تطرح سؤالاً سياسياً جوهرياً حول العلاقة بين المرجعيات الحزبية والالتزامات الانتخابية ومتطلبات تدبير السلطة.

لم يكن تأسيس الكتلة الديمقراطية سنة 1992 مجرد اتفاق لتجميع المقاعد أو اقتسام المسؤوليات، بل جاء في سياق سياسي دقيق، انطلاقاً من قناعة بأن تجاوز أزمات البلاد يقتضي تنسيق جهود القوى الوطنية والديمقراطية حول مشروع للإصلاح. وقد أكد ميثاقها مبادئ دولة المؤسسات، والديمقراطية، واحترام الحقوق والحريات، واستقلال القضاء، ومحاربة الفساد، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وضمان الشغل والتعليم والصحة والسكن والعيش الكريم. كما دعا إلى تقوية الرقابة الشعبية على المؤسسات، وتوسيع المشاركة السياسية، وإرساء تنمية تحد من الفوارق الاجتماعية والمجالية.

ففي 17 ماي 1992، تأسست الكتلة الديمقراطية على أساس ميثاق سياسي جمع خمسة أحزاب وطنية وديمقراطية، ووقّعه باسمها كل من محمد بوستة عن حزب الاستقلال، وعبد الرحمان اليوسفي عن الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، وعبد الله إبراهيم عن الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، وعلي يعتة عن حزب التقدم والاشتراكية، ومحمد بنسعيد آيت يدر عن منظمة العمل الديمقراطي الشعبي.

وقد جسّد هذا التوافق إرادة سياسية لتوحيد جهود قوى مختلفة المرجعيات حول مطالب الإصلاح الدستوري، وترسيخ الديمقراطية، واحترام المؤسسات، وتوسيع الحريات، وتحقيق العدالة الاجتماعية. ولم يكن الميثاق مجرد اتفاق لتقاسم المواقع، بل تعبيراً عن مشروع سياسي مشترك في مرحلة دقيقة من تاريخ المغرب.

إن استحضار هذه القيادات اليوم ليس حنيناً إلى الماضي، ولا ادعاءً بأن تجربتها كانت خالية من الاختلافات والحدود، بل هو دعوة إلى مساءلة الحاضر بمعايير المبادئ والالتزامات. فهل ما زالت الأحزاب التي حملت ذلك الإرث تجعل الإصلاح الديمقراطي والإنصاف الاجتماعي أساس قراراتها، أم أصبحت الحسابات الانتخابية والمشاركة الحكومية تتقدم أحياناً على الوعود التي تأسست عليها تحالفاتها؟ هنا يكمن جوهر المقارنة بين ذاكرة النضال السياسي ومتطلبات المصداقية اليوم.

كانت قوة هذه التجربة في محاولة الجمع بين أحزاب تختلف مرجعياتها، لكنها تتوافق حول مطالب إصلاحية مشتركة. غير أن مسارها لم يكن خالياً من الصعوبات؛ فقد أثرت الخلافات الداخلية، وتباين تقديرات المشاركة في المؤسسات، والحسابات الحزبية، في قدرتها على الاستمرار كجبهة سياسية متماسكة. ومع ذلك، يبقى الدرس الأهم من تجربة الكتلة أن التحالف السياسي يكتسب قيمته من وضوح أهدافه ومدى التزام أطرافه بها، لا من عدد المقاعد التي يجمعها وحدها.

إن قيادة حزب الأصالة والمعاصرة للأغلبية الحالية تفتح مجالاً لمقارنة نقدية مع التجربة التاريخية للكتلة الديمقراطية. فالأصالة والمعاصرة يقدم نفسه باعتباره حزباً حداثياً ذا توجه وسطي، يركز على تحديث المجتمع والإصلاح المؤسساتي والتنمية. وتكمن أهمية هذه المرجعية في إمكان الانفتاح على قضايا العصر وتجديد أساليب التدبير، لكن نجاحها يظل مرتبطاً بمدى ترجمتها إلى ديمقراطية فعلية، وتكافؤ الفرص، وعدالة اجتماعية، ومشاركة سياسية أوسع. أما أحزاب الكتلة التاريخية، فقد ارتبطت بمطالب الإصلاح الديمقراطي والحقوق والحريات والعدالة الاجتماعية، مع اختلاف توجهاتها الوطنية. وكانت تجربتها إيجابية حين استطاعت بناء أرضية مشتركة، لكنها تعثرت عندما تقدمت الحسابات الحزبية والخلافات على الالتزامات الجماعية.

واليوم، لا يعني اجتماع حزب الأصالة والمعاصرة مع الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية عودة الكتلة الديمقراطية بصيغتها التاريخية، بل قيام تحالف جديد يحتاج إلى إثبات قدرته على التوفيق بين اختلاف المرجعيات ووحدة العمل الحكومي. والسؤال الذي يفرض نفسه: هل ستستفيد هذه الأغلبية من رصيد الكتلة في الدفاع عن الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، أم ستكتفي بتوافق حكومي تحكمه حسابات تدبير السلطة؟

لا يكفي أن تتوفر الحكومة على أغلبية برلمانية مريحة حتى تضمن النجاح. فالتحدي الحقيقي هو مواجهة غلاء المعيشة والبطالة، وتحسين الصحة والتعليم، وحماية القدرة الشرائية، وتقليص الفوارق، ومحاربة الفساد والريع. كما أن الأحزاب المشاركة مطالبة بالحفاظ على استقلالية قراراتها، واحترام ديمقراطيتها الداخلية، وتجديد نخبها، وعدم اختزال دورها في المشاركة الحكومية. فالحزب الذي يتخلى عن النقد والمساءلة يفقد تدريجياً قدرته على التأطير والإقناع.

ومن هنا تأتي دلالة عبارة ” جنازة الأحزاب “:إنها ليست حكماً بموتها التنظيمي، بل تحذير من تراجع وظائفها التاريخية وتحولها إلى أدوات انتخابية موسمية، تضعف صلتها بالمواطن بعد انتهاء الحملات. ولا يجوز، في المقابل، إصدار حكم مسبق على الحكومة الجديدة قبل تقييم أدائها؛ فالإنصاف يقتضي محاسبتها على قراراتها ونتائجها، لا على النوايا المفترضة أو الانتماءات وحدها.

إن تجاوز الاختلالات يقتضي تجديد التعاقد بين الأحزاب والمواطنين من خلال:

· برنامج حكومي واضح، بأهداف قابلة للقياس وآجال محددة، مع نشر الحصيلة ومحاسبة المسؤولين.

· جعل التشغيل والصحة والتعليم والقدرة الشرائية والمعاشات والعدالة المجالية أولويات فعلية.

· إعادة الاعتبار للديمقراطية الداخلية وتجديد النخب وإشراك الشباب والنساء.

· تقوية الحوار الاجتماعي، واحترام دور النقابات والهيئات المدنية والحقوقية ، وعدم التعامل مع المطالب الاجتماعية باعتبارها عائقاً سياسياً.

· ضمان معارضة برلمانية مسؤولة، تقدم البدائل وتراقب الحكومة، وأغلبية تتقبل النقد وتلتزم بالمحاسبة.

إن المطلوب ليس العودة إلى الماضي بحذافيره، بل استلهام إيجابياته وتصحيح سلبياته، والانتقال من التحالفات القائمة على الضرورة الانتخابية إلى تعاقدات سياسية واجتماعية واضحة.

إن ميثاق الكتلة الديمقراطية لسنة 1992 يظل مرجعاً مهماً في النقاش حول العلاقة بين الأحزاب والمشروع الديمقراطي والاجتماعي. لكنه ليس تجربة معصومة من الأخطاء، كما أن التحالف الحكومي الحالي لا ينبغي الحكم عليه بالفشل قبل أن يقدم حصيلته.

المعيار هو مدى قدرة هذه الحكومة على ترجمة وعودها إلى إصلاحات ملموسة، ومدى استعداد الأحزاب المشاركة فيها للدفاع عن مبادئها، وممارسة النقد عند الضرورة، وتحمل مسؤولية اختياراتها أمام المواطنين. فالأحزاب لا تفقد مصداقيتها لأنها تتحالف، بل حين تنسى لماذا تحالفت، ولمن تتحمل المسؤولية، وما الذي وعدت بتحقيقه.

لقد كان الرهان في ميثاق 1992 هو توحيد جهود القوى الوطنية والديمقراطية من أجل الإصلاح والكرامة والعدالة الاجتماعية. أما الرهان اليوم، فهو معرفة ما إذا كانت الأغلبية الجديدة قادرة على تحويل اختلاف مرجعياتها إلى قوة للإصلاح، أم أن حسابات السلطة ستتقدم مرة أخرى على المشروع السياسي.

إن تجديد الثقة لا يتحقق بالشعارات ولا باستحضار أمجاد الماضي، بل بالوفاء للالتزامات، واحترام المواطن، وربط المسؤولية بالمحاسبة. فمن ميثاق المبادئ إلى حسابات السلطة، يبقى السؤال مفتوحاً: هل ما تزال الأحزاب تصنع السياسة لخدمة المجتمع، أم أصبحت السياسة عند بعضها وسيلة للحفاظ على الموقع؟

من ميثاق المبادئ إلى حسابات السلطة : أين أصبحت الأحزاب بعد انتخابات 23 شتنبر 2026؟
التعليقات (0)
اضف تعليق