الاتحاد العام للشغالين بالمغرب: أزمة قيادة أم أزمة هوية وبناء مستقبل واعد؟

بقلم محمد العربي القباج

ليس من السهل الحديث عن وضع الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، هذه المنظمة النقابية التي راكمت تاريخاً طويلاً من النضال والتضحيات، دون استحضار مسؤولية الحفاظ على هويتها واستقلالية قرارها، وصيانة رصيدها النضالي من كل ما يمكن أن يضعف مكانتها داخل الحركة النقابية المغربية.

إن ما يثير القلق اليوم ليس مجرد خلاف حول القيادة أو تدبير المسؤوليات، بل طبيعة التحولات التي عرفتها المنظمة، ومدى انسجامها مع تاريخها ومبادئها. فقد بدا أن الطموحات المرتبطة بالمؤتمر الأخير ابتعدت عن انتظارات عدد من المناضلين، وأن مطلب التغيير تحول إلى مصدر للتساؤل حول مستقبل التنظيم ووحدته.

إن الاتحاد ليس ملكاً لأشخاص، ولا مجالاً لتصفية الحسابات أو إبراز القوة والنفوذ، بل هو مؤسسة نقابية بناها العمال والموظفون بتضحياتهم، ومن حقهم أن يجدوا فيها إطاراً للدفاع عن حقوقهم، لا ساحة للتنافس على المواقع.

ومن بين القضايا التي تستدعي نقاشاً مسؤولاً، ما يثار بشأن تغلغل جهات داخل المنظمة، وتنامي تأثير الحسابات الحزبية في تدبير شؤونها، إلى جانب تهميش عدد من القيادات التي تحملت مسؤولياتها في مراحل سابقة. وهي مسائل لا ينبغي التعامل معها بمنطق الاتهام المجاني، بل بفتح نقاش داخلي ديمقراطي، يستند إلى الوقائع والقوانين التنظيمية، ويضمن حق الاختلاف والمحاسبة.

إن استقلالية القرار النقابي ليست شعاراً للاستهلاك، بل شرطا أساسيا لاستعادة ثقة الشغيلة. فالانتماء السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة للهيمنة على التنظيم النقابي، كما أن الاختلاف في الرأي لا يجوز أن يكون سبباً للإقصاء أو التهميش.

ويزداد القلق عندما تطول فترة غياب قيادة واضحة وفعالة، بما يطرح أسئلة مشروعة حول المسؤولية التنظيمية، واستمرارية التمثيل النقابي، وقدرة الاتحاد على مواكبة المعارك الاجتماعية في ظرف تتزايد فيه أعباء المعيشة وتتراجع فيه القدرة الشرائية لفئات واسعة من الأجراء والمتقاعدين.

وفي هذا السياق، لا بد من استحضار تجربة الاتحاد المغربي للشغل في الدفاع عن استقلالية القرار النقابي ورفض إخضاع العمل النقابي للهيمنة السياسية، باعتبارها قضية مبدئية ينبغي أن تكون موضوع نقاش داخل الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، بعيداً عن التقليد الأعمى أو المقارنات التي لا تراعي خصوصية كل منظمة.

إن الإنقاذ لا يكون بالمزايدات ولا بتبادل الاتهامات، وإنما بإجراءات عملية، في مقدمتها:

· عقد لقاء تنظيمي مسؤول لتقييم الوضع الراهن وتشخيص الاختلالات بشفافية.

· احترام القانون الأساسي والقوانين التنظيمية، والاحتكام إلى المؤسسات في تدبير الخلافات.

· استعادة استقلالية القرار النقابي، وإبعاد الصراعات الحزبية والشخصية عن قضايا الشغيلة.

· إشراك القيادات السابقة والمناضلين ذوي التجربة، دون إقصاء الأجيال الجديدة أو احتكار المسؤولية.

· تجديد الهياكل على أساس الديمقراطية والكفاءة والنزاهة، وربط المسؤولية بالمحاسبة.

· وضع برنامج نضالي واضح للدفاع عن الأجور والحريات النقابية والحماية الاجتماعية والكرامة المهنية.

أما الدعوة إلى «محاكمة عمالية» لما آلت إليه المنظمة، فينبغي أن تفهم باعتبارها دعوة إلى محاسبة تنظيمية ديمقراطية، يشارك فيها المناضلون والقطاعات والقواعد العمالية، لتقييم المرحلة ومساءلة المسؤولين عن قراراتهم، كلٌّ في حدود مسؤوليته، بعيداً عن التشهير أو إصدار أحكام مسبقة.

إن المحاسبة ليست انتقاماً، كما أن الوفاء للتاريخ لا يعني الصمت عن الأخطاء. فالمنظمة التي لا تراجع مسارها، ولا تستمع إلى قواعدها، تخاطر بفقدان ثقة مناضليها، وقد تتحول إلى اسم يستحضر الماضي أكثر مما يصنع الحاضر.

إن الاتحاد العام للشغالين بالمغرب أمام لحظة تستدعي الشجاعة في التشخيص والمسؤولية في اتخاذ القرار. فالتاريخ النضالي لا يمنح حصانة دائمة، والشرعية التنظيمية لا تستمد من السيطرة أو النفوذ، بل من ثقة الشغيلة واحترام الديمقراطية والاستعداد للدفاع عن مصالحها.

لسنا في حاجة إلى صراع جديد حول من يملك الاتحاد، بل إلى حوار صريح حول من يستطيع خدمته وإعادة الاعتبار لدوره. فإما أن تكون هذه المرحلة فرصة لتصحيح المسار واستعادة الاستقلالية والوحدة، وإما أن يستمر التراجع وتتسع الهوة بين القيادة والقواعد.

إن الاتحاد العام للشغالين بالمغرب ليس إرثاً يتقاسمه الطامحون إلى المسؤولية، بل أمانة نضالية في أعناق الجميع. وإنقاذه اليوم ليس دفاعاً عن الماضي وحده، بل دفاعا عن مستقبل الشغيلة وحق الأجيال القادمة في منظمة نقابية قوية، مستقلة، ديمقراطية، وقادرة على النضال.

الاتحاد العام للشغالين بالمغرب: أزمة قيادة أم أزمة هوية ووبناء مستقبل واعد؟
التعليقات (0)
اضف تعليق