سبتة ومليلية: بين التاريخ والشرعية القانونية والإجماع الوطني المغربي

بقلم محمد العربي القباج

تظل مدينتا سبتة ومليلية من أبرز القضايا الوطنية التي حافظت على حضورها في الوجدان المغربي، باعتبارهما آخر معاقل الوجود الاستعماري الأوروبي في شمال إفريقيا. ورغم مرور قرون على احتلالهما، فإن المغرب لم يتخلَّ يوماً عن مطالبته باسترجاعهما، معتمداً على الحجج التاريخية والقانونية والسياسية، ومؤكداً تمسكه بالحلول السلمية والحوار.

تُعد سبتة ومليلية مدينتين مغربيتين عرفتا ازدهاراً منذ العصور القديمة، وتعاقبت عليهما دول مغربية متعددة، من الأدارسة والمرابطين والموحدين والمرينيين والوطاسيين.

وبعد اتحاد العرشين الإسباني والبرتغالي سنة 1580، انتقلت المدينة إلى السيادة الإسبانية، وهو ما كرسته معاهدة لشبونة سنة 1668 بين إسبانيا والبرتغال.

أما مليلية فقد احتلتها إسبانيا سنة 1497 مستغلة ضعف الدولة المغربية آنذاك.

ورغم الاحتلال، لم تتوقف محاولات السلاطين المغاربة لاسترجاع المدينتين عبر المفاوضات أو المقاومة.

منذ استقلال المغرب سنة 1956، اعتبرت الدولة المغربية أن استكمال الوحدة الترابية لا يقتصر على استرجاع الصحراء المغربية، بل يشمل أيضاً سبتة ومليلية والجزر الجعفرية وغيرها من الثغور المحتلة.

ومن أبرز المبادرات المغربية في هذا الإطار، ما اقترحه جلالة الملك المغفور له الحسن الثاني، الذي دعا إلى إحداث لجنة مشتركة للتفكير والحوار بين المغرب وإسبانيا، تتولى دراسة مختلف الجوانب التاريخية والقانونية والسياسية المرتبطة بمدينتي سبتة ومليلية، بهدف التوصل إلى إطار قانوني منصف ومتوافق عليه، يراعي مبادئ حسن الجوار والمصالح المشتركة بين البلدين. وقد عكست هذه المبادرة تمسك المغرب بالحلول السلمية والحوار المسؤول، باعتبارهما السبيل الأمثل لتسوية القضايا العالقة بعيداً عن أي توتر أو تصعيد.

ويرتكز الموقف المغربي على عدة مبادئ:

اعتبار الاحتلال امتداداً للاستعمار الأوروبي.
رفض أي مساس بالسيادة الوطنية.
اعتماد الحوار والوسائل الدبلوماسية والقانونية.
تجنب التصعيد العسكري حفاظاً على الاستقرار الإقليمي.
تعتبر إسبانيا سبتة ومليلية جزءاً من ترابها الوطني، وتمنحهما صفة “مدينتين تتمتعان بالحكم الذاتي”.

في المقابل، يرى المغرب أن:

الاحتلال سبق نشوء الدولة الإسبانية الحديثة.
وجود إدارة إسبانية لا ينشئ سيادة قانونية دائمة.
مبادئ تصفية الاستعمار وحق الشعوب في استكمال وحدتها الترابية تظل مرجعاً أساسياً.
وتبقى القضية مختلفة قانونياً عن ملفات أخرى، إذ لا تدرجها الأمم المتحدة حالياً ضمن الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، وهو ما يجعل حلها رهيناً بالمفاوضات السياسية بين البلدين.

يحظى ملف سبتة ومليلية بإجماع وطني واسع، وتتمثل أبرز المطالب في:

التأكيد المستمر على مغربية المدينتين.
إدراج الملف ضمن أولويات الدبلوماسية المغربية.
فتح نقاش قانوني دولي حول إنهاء آخر مظاهر الاستعمار بشمال إفريقيا.
تعزيز التنمية في الأقاليم الشمالية المجاورة.
مواصلة التنسيق مع إسبانيا في ملفات الهجرة والأمن والاقتصاد دون التخلي عن المطالبة بالسيادة.
شهدت العلاقات المغربية الإسبانية خلال السنوات الأخيرة تحسناً ملحوظاً، خاصة بعد تعزيز التعاون في مجالات الأمن والهجرة والاستثمار. ويرى عدد من المحللين أن هذا التقارب قد يهيئ مستقبلاً مناخاً يسمح بفتح حوار هادئ حول الملفات التاريخية العالقة، وفي مقدمتها سبتة ومليلية.

تبقى سبتة ومليلية جزءاً من الذاكرة الوطنية المغربية، وقضية ترتبط بمبدأ استكمال الوحدة الترابية. ويستند الموقف المغربي إلى اعتبارات تاريخية وسياسية وقانونية، مع التشبث بخيار الحوار والوسائل السلمية وفق قواعد القانون الدولي. وبينما تتمسك إسبانيا بموقفها الحالي، يظل الملف مفتوحاً على تطورات المستقبل، في ظل علاقات حسن الجوار والمصالح المشتركة بين البلدين، مع استمرار تطلع المغاربة إلى تسوية تحقق احترام السيادة والاستقرار.

سبتة ومليلية: بين التاريخ والشرعية القانونية والإجماع الوطني المغربي
التعليقات (0)
اضف تعليق