بقلم: محمد العربي القباج
لم تعد قضية الصحراء المغربية مجرد ملف دبلوماسي يُناقش داخل أروقة الأمم المتحدة، بل أصبحت اختباراً لقدرة الدبلوماسية على تحقيق التسوية السياسية، وقدرة المؤسسات الوطنية على ترسيخ الوحدة الترابية من خلال التنمية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
وفي هذا السياق، تكتسي المواقف التي عبرت عنها دول عربية وإفريقية وأمريكية ودولية أمام اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة أهمية خاصة، بالنظر إلى تجديد الدعم لمبادرة الحكم الذاتي المغربية تحت السيادة الوطنية، باعتبارها مقترحاً جدياً وواقعياً لتسوية النزاع حول الصحراء المغربية. غير أن أهمية هذه المواقف لا تكمن في تعداد الدول المؤيدة فقط، بل في مدى إسهامها في تقريب الحل النهائي، وإنهاء نزاع طال أمده واستنزف إمكانات المنطقة المغاربية، وعطّل فرص التعاون والتكامل بين شعوبها.
تعكس المواقف العربية والإفريقية والأمريكية والدولية اتساع الاهتمام بمبادرة الحكم الذاتي، مع التأكيد على ضرورة مواصلة المسار السياسي الذي ترعاه الأمم المتحدة، والتوصل إلى حل دائم يضمن الاستقرار الإقليمي.
فالمواقف العربية في معظمها باستثناء دولة وحيدة تجدد التأكيد على احترام الوحدة الترابية للمملكة، فيما تبرز المواقف الإفريقية أهمية الحوار والتعاون الإقليمي، وتؤكد مواقف دولية أخرى جدية المبادرة المغربية ومصداقيتها، في سياق البحث عن تسوية سياسية واقعية.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين دعم مبادرة الحكم الذاتي، والموقف من السيادة المغربية، والصيغ الدبلوماسية التي تعتمدها الدول؛ إذ لا تعني هذه المواقف بالضرورة تطابقاً كاملاً في جميع التفاصيل.
لذلك، فإن الرهان الحقيقي لا يتمثل في الاحتفاء بالتصريحات المؤيدة وحدها، بل في تحويل الزخم الدبلوماسي إلى تقدم ملموس في المسار الأممي، ومواصلة الدفاع عن المبادرة المغربية بالحجة السياسية والقانونية، وتوضيح آلياتها وضماناتها بما يعزز فرص التسوية المستدامة.
إلى جانب الدبلوماسية الرسمية، اضطلع الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، إلى جانب المركزيات النقابية الأخرى، بدور مهم في الدفاع عن الوحدة الترابية والتعريف بالقضية الوطنية في المحافل النقابية العربية والإفريقية والدولية. وقد ساهمت المشاركة في المنتديات الاجتماعية العالمية والمؤتمرات النقابية العربية والقارية والدولية في بناء جسور التواصل مع المنظمات العمالية والاجتماعية، وشرح الموقف المغربي، والتصدي للأطروحات المناوئة للوحدة الترابية.
وتكتسي هذه الدبلوماسية أهمية خاصة لأنها توسع دائرة الترافع عن القضية الوطنية خارج المؤسسات الحكومية، وتجعل الحركة النقابية شريكاً في التعريف بالمغرب ومؤهلاته، وبما تعرفه الأقاليم الجنوبية من تحولات تنموية. غير أن تعزيز هذا الدور يقتضي تنسيق جهود المركزيات النقابية، وتوحيد المبادرات، وربط الدفاع عن الوحدة الوطنية بالدفاع عن حقوق العمال والمواطنين، وصون الحريات، وتحقيق العدالة الاجتماعية. فالدبلوماسية النقابية تكون أكثر تأثيراً حين تستند إلى واقع حقوقي واجتماعي يعزز مصداقية الخطاب المغربي.
إذا كانت الدبلوماسية تتحرك في المحافل الدولية، فإن المواطن يظل المعني الأول بنتائجها. ومن ثم، فإن الدفاع عن الوحدة الترابية لا ينفصل عن توفير شروط العيش الكريم، وتكافؤ الفرص، واحترام الحقوق والحريات، وتوسيع المشاركة الديمقراطية.
إن التنمية في الأقاليم الجنوبية ليست مجرد وسيلة لتعزيز الحضور المغربي، بل هي حق للمواطنين وواجب على المؤسسات. وهذا يقتضي خلق فرص الشغل، وتحسين الخدمات الصحية والتعليمية، وتطوير البنيات التحتية، ودعم المقاولات المحلية، والحد من الفوارق الاجتماعية والمجالية. كما أن ترسيخ الثقة بين المواطن والمؤسسات يستلزم ربط المسؤولية بالمحاسبة، وتمكين السكان من المشاركة الفعلية في تدبير شؤونهم، والاستجابة لانتظارات الشباب والنساء والفئات الهشة.
فالوحدة الوطنية لا تتقوى بالشعارات وحدها، بل تترسخ حين يشعر المواطن بأن حقوقه مصونة، وصوته مسموع، وأن ثمار التنمية تصل إليه بعدالة وإنصاف. وهذه مسؤولية مستمرة لا ينبغي اختزالها في المناسبات الدبلوماسية أو الخطابات السياسية.
إن استمرار النزاع حول الصحراء لا يؤثر في المغرب وحده، بل ينعكس على مستقبل التعاون المغاربي، ويحد من إمكانات بناء فضاء إقليمي قادر على مواجهة تحديات البطالة والهجرة والأمن والتنمية.
ومن هنا، ينبغي أن تشكل المواقف الداعمة للمبادرة المغربية مدخلاً لتعزيز الحوار والتعاون، لا مناسبة لتوسيع الخلافات بين الشعوب. فالمصلحة المشتركة تقتضي احترام حسن الجوار، وتغليب المصالح المشتركة، والعمل من أجل الاستقرار والتكامل الإقليمي.
كما تتيح الأقاليم الجنوبية، بالنظر إلى موقعها وإمكاناتها الاقتصادية واللوجستية، فرصاً لتعزيز الروابط بين المغرب وعمقه الإفريقي، وتطوير المبادلات التجارية والاستثمارات ومشاريع التنمية المشتركة.
إن تجدد الدعم الدولي لمبادرة الحكم الذاتي المغربية يشكل مكسباً سياسياً ودبلوماسياً مهماً، لكنه يفرض في المقابل مسؤولية مواصلة العمل من أجل تسوية نهائية للنزاع، وتعزيز التنمية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.
فالدبلوماسية تفتح الأبواب، والتنمية تعزز الثقة، والديمقراطية تمنح الوحدة الوطنية مضمونها العملي. ولذلك، فإن قوة الموقف المغربي لا تقاس فقط بحجم التأييد الخارجي، بل أيضاً بقدرة المؤسسات على بناء نموذج تنموي منصف، وضمان الحقوق، وتكريس الحكامة الجيدة، وجعل المواطن شريكاً فعلياً في تدبير شؤون وطنه.
إن الدفاع عن الصحراء المغربية مسؤولية وطنية جامعة تتكامل فيها جهود الدولة والدبلوماسية والنقابات والمجتمع المدني والمواطنين. والغاية ليست تسجيل مواقف جديدة فحسب، وإنما تحويلها إلى رافعة لإنهاء النزاع، وتثبيت الاستقرار، وصيانة الوحدة الترابية، وبناء مستقبل يضمن الكرامة والحقوق والتنمية لجميع المغاربة.