مصطفى تويرتو
حين تدخل السياسة من بوابة كرة القدم فالأمر لم يعد مجرد مباراة ولا مجرد قميص عابر.
في الأيام الأخيرة تحولت ملاعب الليغا إلى فضاء لرسائل مرتبطة بسبتة بعدما ظهر لاعبو عدد من الأندية بقميص يحمل شعارا داعما للمدينة في مبادرة أثارت جدلا واسعا خصوصا بعدما اختار نجوم مثل مبابي وفينيسيوس وكوناتي إخفاء الرسالة أو عدم ارتداء القميص بالشكل الكامل.
وهنا يحق للمغاربة أن يطرحوا السؤال بصوت مرتفع لماذا تحتاج قضية سبتة إلى تعبئة كرة القدم بكل قوتها الجماهيرية والإعلامية حتى تصل رسالتها إلى ملايين المشاهدين؟
قد تقول إسبانيا إن المبادرة اجتماعية وليست سياسية وهذا ما أكدته رابطة الليغا كما أن المبادرة انطلقت أصلا من مجموعة رجال أعمال في فالنسيا. لكن السياسة لا تقاس دائما بما تقوله البيانات الرسمية أحيانا تكفي الرموز والشعارات والملاعب والنجوم لصناعة رسالة تتجاوز حدود الرياضة.
سبتة ليست بحاجة إلى قمصان الليغا حتى يعرف المغرب أنها موجودة.
والمغرب بدوره ليس بحاجة إلى حملات رمزية حتى يتذكر أن التاريخ والجغرافيا يضعان هذه المدينة في قلب واحدة من أكثر القضايا حساسية في العلاقات المغربية الإسبانية.
والأكثر دلالة أن محاولة تحويل كرة القدم إلى منصة لهذه الرسالة لم تمر بسلاسة حتى داخل إسبانيا نفسها فبعض اللاعبين رفضوا عمليا إظهار الشعار بينما دافع ريال مدريد عن حق لاعبيه في اتخاذ موقفهم الشخصي.
وهنا تكمن المفارقة إذا كانت الرسالة رياضية بحتة فلماذا أثارت كل هذا الجدل السياسي والإعلامي؟
المغرب لا يحتاج إلى الصراخ ولا إلى الدخول في حرب شعارات. قوته اليوم تكمن في أن الملفات الكبرى تدار بمنطق الدولة وبالنفس الطويل وبالدبلوماسية والمصالح الاستراتيجية.
أما الرسائل القادمة من الملاعب فلن تغير التاريخ ولن تمنح القمصان شرعية لا تمنحها السياسة ولا الدبلوماسية.
لقد تغير ميزان العلاقات في المنطقة ولم يعد المغرب ذلك الطرف الذي يمكن مخاطبته بمنطق الرسائل الاستعراضية. ولذلك فإن استدعاء كرة القدم ونجومها إلى ملف شديد الحساسية مثل سبتة قد يكون في أحسن الأحوال محاولة للتأثير في الرأي العام لكنه بالتأكيد لن يكون بديلا عن الحوار السياسي والتاريخ والجغرافيا.
التاريخ لا يمحى بقميص والسيادة لا تحسم في ملعب والمغرب الذي يعرفه الجميع اليوم يحسب له ألف حساب.
وفي النهاية قد تكون كرة القدم لعبة لكن عندما تزج بها قضايا الهوية والسيادة فإنها تكشف أكثر مما تخفي.