فلاش 24 : حميد محدوت
في الخميسات، يبدو أن بعض المشاريع لا تحتاج إلى حجر وإسمنت حتى تدشن، يكفي أن تقام لها منصة، ويستدعى إليها وزير، وتنصب لوحة تحمل صورة المشروع، وتلتقط الصور، ثم يقال للمواطنين: هنيئا لكم بالنواة الجامعية!
هذا ما حدث بالضبط في غشت 2021، إذ على بعد أيام قليلة من الانتخابات التشريعية، استيقظت ساكنة إقليم الخميسات على خبر طال انتظاره: نواة جامعية بمدينة الخميسات!
المشروع كان حلما بالنسبة لآلاف الأسر، أبناؤهم لن يضطروا بعد اليوم إلى شد الرحال إلى الرباط أو القنيطرة لمتابعة دراستهم الجامعية، ولن تضطر الأسر إلى تحمل مصاريف الكراء والنقل والأكل وغيرها من النفقات التي تثقل كاهلها.
ظهر رئيس المجلس الإقليمي الخميسات آنذاك، محمد لحموش، إلى جانب وزير التربية الوطنية آنذاك محمد أمزازي، ورئيس جامعة محمد الخامس، ومدير الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين آنذاك محمد أضرضور.
مشهد رسمي كامل الأركان!.. بل قدمت للوزير لوحة تتضمن تفاصيل وشروحات حول مشروع بناء نواة جامعية، حتى بدا للمواطن البسيط أن الأمر يتعلق بمشروع جاهز تقريبا، وليس مجرد فكرة على الورق.
ثم جاءت الطمأنة الكبرى:
سجلوا أبناءكم… النواة الجامعية ستفتح أبوابها في الموسم الدراسي المقبل!
وحتى لا تبقى هناك أي حجة للتشكيك، قيل إن الدراسة ستنطلق مؤقتا بملحقة ثانوية عبد الله كنون، في انتظار بناء النواة الجامعية بشكل نهائي.
صدق المواطنون… ومن حقهم أن يصدقوا، لأن الذي يتحدث ليس مرشحا مجهولا في مقهى، وإنما مسؤولون ومنتخبون ووزير ورئيس جامعة ومسؤولون تربويون… ثم جاءت الانتخابات…
وفاز محمد لحموش بمقعد برلماني، وفازت ابنته بمقعد برلماني، وانتهى الموسم الانتخابي.
وبعدها حدثت المعجزة العكسية!… اختفت النواة الجامعية!.. وغادر محمد أمزازي وزارة التربية الوطنية، وطار المشروع معه… لا ملحقة جامعية، لا أشغال، لا بناء، ولا حتى تفسير مقنع للساكنة.
وبقيت فقط الصور واللوحة والوعود، وبعد خمس سنوات، يعود الحديث عن المشروع!
لكن هذه المرة ليس باعتباره مشروعا تحقق، وإنما باعتباره مشروعا أصبح في خبر كان، مع محاولة تحميل المسؤولية لبرلمانيي الإقليم الذين قيل إنهم رفضوه.
وهنا لا بد من طرح السؤال الذي يبدو بسيطا جدا: ومن كان برلمانيا في ذلك الوقت؟ أليس محمد لحموش نفسه؟
إذا كان برلمانيو الإقليم قد رفضوا المشروع، فليخرجوا إلى الرأي العام ويقولوا ذلك صراحة. ومن رفض؟ ومتى؟ ولماذا؟ وهل توجد مراسلات رسمية أو محاضر أو قرارات تثبت ذلك؟
أما أن يقدم مشروع للساكنة في غشت 2021، ويربط عمليا بالموسم الدراسي الموالي، ثم يختفي، وبعد سنوات يتم إلقاء المسؤولية على الآخرين، فهذه ليست الطريقة التي تدار بها ذاكرة المواطنين.
المواطنون يتذكرون، يتذكرون اللوحة، يتذكرون الوزير، يتذكرون المسؤولين، يتذكرون الوعود،
ويتذكرون أيضا أن الانتخابات مرت، وأن المشروع اختفى.
والآن، ونحن على أبواب انتخابات تشريعية جديدة، يعود نفس المشروع إلى الخطاب السياسي.
يا لها من مصادفة! نواة جامعية تظهر قبل الانتخابات وتختفي بعدها، ثم تعود قبل انتخابات أخرى! هل هي نواة جامعية فعلا، أم أنها أصبحت نواة انتخابية؟ هذا هو السؤال الذي ينتظر سكان الخميسات جوابا واضحا عنه.
نحن لا نريد هذه المرة تدشينا بالصور، لا نريد لوحة أخرى، لا نريد تصريحات رنانة.
لا نريد أن يقال لنا مرة أخرى: «سجلوا أبناءكم».
نريد وثائق، واعتمادات، واتفاقيات، وعقارا، ودراسات، وتاريخا محددا لانطلاق الأشغال، وتاريخا محددا لاستقبال الطلبة.
نريد جامعة على الأرض، لا جامعة في اللوحات الانتخابية.
ومن أراد أن يتحدث اليوم عن النواة الجامعية، فليبدأ أولا بالإجابة عن سؤال 2021:
ماذا حدث بالضبط للمشروع الذي قيل لسكان الخميسات إنه سيفتح أبوابه في الموسم الدراسي الموالي؟
أما أن يعود المشروع نفسه كلما اقترب موعد الانتخابات، فالمواطن من حقه أن يقول:
لقد سمعنا هذه الحكاية من قبل… ونريد هذه المرة أن نرى النهاية على أرض الواقع، لا في خطاب انتخابي جديد…