أزمة عطش الحدود بين أيت يمور وأكفاي بـ “إقليم مراكش”: عندما تعطل القبلية والتسييس التوجيهات الملكية للعدالة المجالية

نجيب اندلسي

في الوقت الذي تواصل فيه الرؤية الملكية السامية التأكيد على قطع الطريق أمام “مغرب السرعتين”، والقطع مع التفاوتات التنموية عبر تحقيق العدالة المجالية والعيش الكريم، ترسم المنطقة الحدودية بين جماعتي “أيت يمور” و”أكفاي” الفتية بـ إقليم مراكش مشهدا مناقضا تماما لهذه التوجيهات؛ مشهد تتوقف فيه عجلة التنمية الحضرية التي تشهدها حاضرة الإقليم عند حدود هذه المناطق القروية، وتصادر فيه الحقوق الأساسية للمواطنين.
تتجلى جذور هذه الأزمة الإقليمية في انسحاب الأجهزة التنفيذية بـ إقليم مراكش عن دورها السيادي المباشر في إدارة وتوزيع الموارد المائية الحيوية، وإسناد إدارة هذا المرفق لإدارات جمعوية محلية تفتقر لمعايير الحكامة والحياد. هذا الفراغ الإداري بـ عرب إقليم مراكش أعاد للواجهة نمط تدبير يعتمد العصبية والنعرة القبلية، حيث استبدلت سيادة القانون بـ إقليم مراكش بمنطق “الغنيمة” والتفوق الفئوي، لتتحول قطرة الماء إلى أداة للهيمنة وبسط النفوذ.
ولم تقف تداعيات هذا الخلل المائي بـ إقليم مراكش عند حدود الحرمان من التزود بالماء، بل امتدت لتسهم في تشويه المشهد السياسي المحلي بالإقليم. فقد تحول الحق في العيش الكريم إلى ورقة للمساومة وتصفية الحسابات بين المنتخبين والفرقاء السياسيين في الخريطة الانتخابية لـ إقليم مراكش. وبين صراع المصالح هذا، وضع سكان الدواوير الحدودية للإقليم في عزلة عن المكتسبات التنموية، حيث أضحى الرهان اليومي للساكنة ينحصر في سد الرمق وتأمين ماء الشرب.
وتتجسد هذه المفارقة الإقليمية في معاناة سكان دوار “البرجة”؛ الذين ترتبط استفادتهم من الخزان المائي لدوار “الحاجب” بجماعة أكفاي التابعة لـ إقليم مراكش بعقود واشتراكات نظامية ملتزمين بكافة واجباتها. غير أن الواقع الميداني بالإقليم يكشف عن تضييق مفتعل يعلل بجفاف الآبار، في حين توجه التدفقات المائية ليلا لسقي ضيعات خاصة، وتحت تهديدات متكررة بإغلاق المحابس وإتلاف المنشآت، مما يعد خرقا سافرا للقوانين المنظمة للماء بـ إقليم مراكش.
إن الترافع المستمر والتواصل الذي سلكته الساكنة المتضررة مع سلطات إقليم مراكش—من قيادة محلية، ومصالح الدرك الملكي، والمجالس الجماعية بالإقليم—يضع جميع الفاعلين الترابيين أمام مسؤولية سياسية وأخلاقية لحسم هذا الانفلات. فقد بات مؤكدا أن تجاوز حالة “السرعات المتعددة” في إنفاذ القانون على مستوى إقليم مراكش يستوجب استعادة السلطات الإقليمية لإشرافها المباشر على توزيع المادة الحيوية، وإنهاء كل أشكال الوصاية القبلية أو الانتخابوية، ضمانا للعدالة المجالية والكرامة الإنسانية تحت الراية الوطنية.

بقلم متابع الجريدة
الاستاذ محمد اوسامة

أزمة عطش الحدود بين أيت يمور وأكفاي بـ "إقليم مراكش": عندما تعطل القبلية والتسييس التوجيهات الملكية للعدالة المجالية
التعليقات (0)
اضف تعليق