كنزة الداودي
تتجه أزمة مهنة المحاماة في المغرب نحو مزيد من التصعيد، بعدما أعلنت جمعية هيئات المحامين بالمغرب استمرار الإضراب الشامل عن ممارسة المهام المهنية وتعليق نظام المساعدة القضائية بمختلف أشكاله، في ظل استمرار الخلاف حول مشروع القانون المنظم للمهنة.
وكشفت الجمعية، عقب اجتماع مكتبها بالرباط، عن عقد دورة استثنائية لمجلسها يوم 5 شتنبر المقبل، لمناقشة التطورات المرتبطة بالملف وتحديد الخطوات الاحتجاجية المقبلة، كما أكدت أنها شرعت في تفعيل برنامج نضالي تصاعدي، مع الإبقاء على مكتبها في حالة انعقاد دائم لمتابعة المستجدات واتخاذ القرارات المناسبة.
ويأتي هذا القرار ليؤكد استمرار حالة الاحتقان التي تعرفها المحاكم المغربية منذ أشهر، بعدما تجاوز الإضراب عتبة المئة يوم، وهو ما انعكس بشكل مباشر على عدد من القضايا والإجراءات القضائية، وأثار مخاوف متزايدة بشأن تداعيات الأزمة على مصالح المتقاضين وسير مرفق العدالة.
وتعتبر جمعية هيئات المحامين أن استمرار الأزمة يرتبط أساسا بتعثر الحوار حول مشروع القانون الجديد، معتبرة أن المقاربة التي اعتمدتها الحكومة في إعداد النص والمصادقة عليه لم تستجب لمطالب المهنيين ولم تضمن، بحسب موقفها، إشراكا حقيقيا للهيئات المعنية.
خلاف يتجاوز مضمون المشروع
ولا تحصر الجمعية اعتراضاتها في المقتضيات القانونية الواردة في المشروع، بل ترى أن جوهر الخلاف يمتد إلى المنهجية التي تم اعتمادها في إعداد النص. واتهمت الحكومة بالتراجع عن التزامات سابقة، وباعتماد مقاربة لا تستجيب لمبدأ التشاور والتشاركية في إصلاح منظومة مهنة المحاماة.
وترى الهيئة المهنية أن عددا من مقتضيات المشروع قد يؤثر في استقلالية المحامين وفي الضمانات المرتبطة بممارسة مهام الدفاع، إلى جانب ما تعتبره مساسا بالتنظيم الذاتي للمهنة،كما تؤكد أن أي إصلاح تشريعي يهم المحاماة ينبغي أن يراعي خصوصية المهنة ودورها في حماية الحقوق والحريات وضمان شروط المحاكمة العادلة.
وفي هذا السياق، شددت الجمعية على أن دفاعها عن استقلالية المهنة لا يندرج، وفق تصورها، ضمن المطالب الفئوية الضيقة، وإنما يرتبط بمكانة الدفاع داخل منظومة العدالة وبالضمانات القانونية والحقوقية التي يستفيد منها المتقاضون.
الإحالة على القضاء الدستوري لم تنه الأزمة
ورغم إحالة مشروع القانون على القضاء الدستوري، فإن هذه الخطوة لم تؤد إلى تخفيف حدة التوتر بين المحامين والحكومة،فقد سجلت الجمعية ملاحظات بشأن مسطرة الإحالة، معتبرة أن تقديم وثيقة غير مكتملة أفرز إشكالا إجرائيا، وهو ما دفع المحكمة الدستورية إلى طلب آراء رئاسة مجلس النواب ومجلس المستشارين ومستشاريهما بشأن الصيغة المعروضة.
وتعتبر الجمعية أن هذه التطورات تعزز، من وجهة نظرها، الحاجة إلى التحقق من سلامة المسطرة ومدى احترام المقتضيات الدستورية والقانونية المؤطرة لها، مؤكدة أن النقاش الدستوري لا ينفصل عن الإشكالات التي أثارتها بشأن مضمون المشروع وطريقة إعداده.
المتقاضون في قلب تداعيات الأزمة
ومع استمرار الإضراب، تتزايد الضغوط على مختلف مكونات منظومة العدالة، في وقت يتحمل فيه المتقاضون جانبا من تداعيات تعطل عدد من الإجراءات والجلسات، وتؤكد جمعية هيئات المحامين أن المسؤولية عن هذه الوضعية تقع على عاتق السلطات التنفيذية، داعية إلى معالجة أسباب الأزمة بدل الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها.
وتراهن الأوساط المهنية على أن يشكل استئناف العمل القضائي بعد العطلة السنوية فرصة لإعادة فتح قنوات الحوار، غير أن موقف الجمعية الأخير يوحي بأن العودة إلى الوضع الطبيعي ستظل مرتبطة بمدى حدوث تقدم ملموس في الملف.
5 شتنبر.. محطة حاسمة
ومن المرتقب أن يكون اجتماع مجلس الجمعية في 5 شتنبر المقبل محطة أساسية في تحديد مستقبل الاحتجاجات، خصوصا أن الموعد يأتي قبيل الاستحقاقات التشريعية المقررة في 23 شتنبر.
ويبقى احتمال التصعيد قائما في ظل تمسك كل طرف بمواقفه، بينما تظل الدعوة إلى حوار جاد وشامل بين الحكومة والهيئات المهنية أحد أبرز المداخل الممكنة لإنهاء حالة الجمود التي أثرت على سير العدالة لأكثر من ثلاثة أشهر.
وفي انتظار ما ستسفر عنه الدورة الاستثنائية المقبلة، تبدو أزمة مشروع قانون مهنة المحاماة مفتوحة على مزيد من التطورات، في ظل إصرار المهنيين على الدفاع عن استقلالية المهنة، وتمسك الحكومة بمسار الإصلاح التشريعي.