بقلم رئيس الجمعية الوطنية للمكفوفين بالمغرب
لم تعد الكتابات التي ينشرها الأشخاص في وضعية إعاقة، أو الفاعلون الجمعويون، أو الباحثون، أو المهتمون بقضايا الإدماج، مجرد تعبير عن معاناة أو عرض لمطالب اجتماعية وحقوقية، بل أصبحت مع مرور الوقت أحد المكونات الأساسية للنقاش العمومي حول السياسات العمومية في مجال الإعاقة. فقد أفرز التحول الرقمي فضاءً جديداً مكّن آلاف الأصوات من الوصول إلى الرأي العام وصناع القرار، وحول منصات التواصل الاجتماعي والمواقع الإخبارية إلى مجال لتبادل الأفكار، وتقييم البرامج الحكومية، واقتراح البدائل.
ولعل المتتبع لما ينشر خلال السنوات الأخيرة يلاحظ أن قضايا الإعاقة لم تعد تقتصر على التغطيات المناسبة المرتبطة باليوم الوطني أو اليوم العالمي للأشخاص في وضعية إعاقة، وإنما أصبحت حاضرة بشكل مستمر من خلال مقالات الرأي، والتحليلات القانونية، والشهادات الواقعية، والتقارير الصحفية، والحوارات التي تتناول مختلف جوانب السياسة العمومية، من التعليم الدامج والتشغيل، إلى الحماية الاجتماعية، والولوجيات، والصحة، والنقل، والرقمنة، والعدالة، والثقافة، والمشاركة السياسية.
لقد ساهم هذا الحراك الفكري والإعلامي في إعادة تشكيل الوعي المجتمعي بقضايا الإعاقة، وفي الانتقال تدريجياً من المقاربة الإحسانية إلى المقاربة الحقوقية التي تعتبر الأشخاص في وضعية إعاقة مواطنين كاملي الحقوق، وشركاء في التنمية، وليسوا مجرد مستفيدين من خدمات اجتماعية. كما ساعد على إبراز التحديات التي تواجه تنزيل المقتضيات الدستورية والتشريعية، وعلى فتح نقاش عمومي حول مدى نجاعة البرامج الحكومية وفعاليتها.
ومن اللافت أن عدداً من المبادرات الحكومية التي أطلقتها وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة جاءت في سياق يعرف زخماً واضحاً للنقاش العمومي حول الإعاقة. فحملات إذكاء الوعي بحقوق الأشخاص في وضعية إعاقة، وما رافقها من رسائل تدعو إلى تغيير الصور النمطية وتعزيز ثقافة الإدماج، شكلت مناسبة لتجدد النقاش حول مسؤولية المجتمع في إزالة الحواجز المادية والرقمية والثقافية التي ما تزال تحد من المشاركة الكاملة لهذه الفئة.
وقد تفاعلت الحسابات الشخصية والمنصات الإعلامية مع هذه الحملات بطرق مختلفة؛ فمنها من اعتبرها خطوة إيجابية في اتجاه ترسيخ ثقافة الحقوق، ومنها من دعا إلى أن تكون حملات التوعية مصحوبة بإجراءات عملية ونتائج ملموسة، مثل تسريع تنزيل النصوص التنظيمية، وتطوير الولوجيات، وتعزيز الإدماج الاقتصادي، وتوسيع فرص التشغيل، وتحسين الخدمات العمومية. وهذا التفاعل، في جوهره، يعكس حيوية النقاش الديمقراطي، ويؤكد أن الوعي المجتمعي لا يُبنى بالرسائل الإعلامية وحدها، وإنما بالحوار المفتوح بين المؤسسات والمجتمع.
وينطبق الأمر نفسه على إطلاق البحث الوطني الثالث حول الإعاقة، الذي يمثل محطة استراتيجية في مسار تطوير السياسات العمومية. فمن الناحية العلمية، يشكل هذا البحث فرصة لتحديث قاعدة المعطيات الوطنية حول أوضاع الأشخاص في وضعية إعاقة، ورصد التحولات التي عرفها المجتمع المغربي خلال العقد الأخير، واستيعاب أثر الإصلاحات القانونية والمؤسساتية التي شهدها هذا المجال.
لكن في المقابل، أعادت العديد من المقالات والكتابات الحقوقية طرح سؤال جوهري: هل تكفي الدراسات لإحداث التغيير؟ وهل تتحول نتائج البحوث الوطنية فعلاً إلى سياسات وبرامج قابلة للتنفيذ، أم أنها تبقى في حدود التقارير المرجعية؟
إن هذا السؤال لا يعبر عن موقف معارض للبحث العلمي، بل عن حرص على أن تتحول المعرفة إلى أداة لصناعة القرار. فالبحث الوطني لا يكتسب قيمته من حجم البيانات التي يجمعها، وإنما من مدى اعتمادها في التخطيط، وتوزيع الموارد، وتقييم البرامج، وصياغة السياسات العمومية على أسس علمية دقيقة.
لقد أثبتت التجارب الدولية أن جودة السياسات العمومية تقاس بقدرتها على الاستماع للمجتمع قبل اتخاذ القرار، وعلى مراجعة اختياراتها في ضوء المعطيات الجديدة. وفي هذا الإطار، تؤدي الكتابات الحقوقية والإعلامية وظيفة لا تقل أهمية عن الدراسات الأكاديمية، لأنها تنقل نبض الواقع، وتعكس التجارب اليومية، وتكشف الصعوبات التي قد لا تظهر في المؤشرات الرقمية وحدها.
ومن هنا، فإن العلاقة بين المبادرات الحكومية والكتابات الحقوقية ليست علاقة تنافس أو مواجهة، بل ينبغي أن تكون علاقة تكامل. فالدولة تمتلك أدوات التشريع والتنفيذ والتمويل، بينما يمتلك المجتمع المدني والإعلام والباحثون القدرة على التشخيص، والمرافعة، والتقييم، واقتراح البدائل. وعندما يلتقي هذان المساران، تصبح السياسة العمومية أكثر استجابة لانتظارات المواطنين، وأكثر قدرة على تحقيق أهدافها.
غير أن هذا التكامل يظل رهيناً بترسيخ ثقافة الإنصات المتبادل. فالكتابات الحقوقية مطالبة بالمحافظة على موضوعيتها، والاعتماد على المعطيات الدقيقة، وتقديم البدائل الواقعية، بعيداً عن التهويل أو التبخيس. وفي المقابل، تحتاج المؤسسات العمومية إلى اعتبار النقد البناء مورداً لتطوير أدائها، لا مجرد رد فعل على قراراتها.
كما أن المواقع الإخبارية تتحمل مسؤولية مضاعفة في هذا المجال، لأنها لم تعد مجرد ناقل للمعلومة، بل أصبحت فاعلاً في تشكيل الرأي العام، وفي توجيه النقاش العمومي. ومن ثم فإن مواكبة السياسات العمومية في مجال الإعاقة تستوجب تغطية مستمرة، وتحليلاً متخصصاً، وإتاحة المجال أمام مختلف الآراء والخبرات، حتى يتحول الإعلام إلى منصة للحوار المجتمعي المسؤول.
إن التجربة المغربية في مجال الإعاقة راكمت خلال السنوات الماضية مكتسبات دستورية وتشريعية ومؤسساتية مهمة، غير أن الرهان اليوم لم يعد يقتصر على إصدار النصوص أو إطلاق المبادرات، وإنما أصبح يتمثل في ضمان فعاليتها، وقياس أثرها، وربطها بالنتائج الملموسة التي يشعر بها الأشخاص في وضعية إعاقة في حياتهم اليومية.
لذلك، فإن كل مبادرة حكومية لإذكاء الوعي، وكل بحث وطني يروم إنتاج المعرفة، وكل مقال حقوقي يسائل الواقع، وكل تقرير إعلامي يتابع التنفيذ، ينبغي النظر إليها باعتبارها حلقات متكاملة في مسلسل واحد هدفه بناء سياسة عمومية أكثر عدالة ونجاعة. فالكلمة الواعية لا تنافس القرار، بل تساهم في ترشيده، والقرار الرشيد لا يخشى النقد، بل يستفيد منه. وعندما تتحول المعرفة، والحوار، والمساءلة، والتشارك إلى ثقافة مؤسساتية راسخة، تصبح السياسات العمومية أكثر قدرة على تحقيق الإدماج الحقيقي، وتكافؤ الفرص، وصون الكرامة الإنسانية، وهي الغايات التي ينبغي أن تظل البوصلة المشتركة لكل الفاعلين، مهما اختلفت مواقعهم وأدوارهم.