الاستقلاليون يطلقون من فاس خطة لتعزيز الثقة وصون الكرامة

  1.  فلاش 24 – ابو سعد

 في زمن تتآكل فيه القدرة الشرائية للأسر المغربية تحت وطأة الغلاء وتزايد الأعباء اليومية، لم يعد الحديث عن العدالة الاجتماعية ترفا سياسيا أو شعارا مناسباتيا، بل أصبح ضرورة وطنية ملحة تفرض نفسها بقوة. وبين أسئلة الكرامة، وتحديات الشيخوخة، وهشاشة النساء، وضياع طاقات الشباب، يبرز الرهان الأكبر: كيف يمكن إعادة بناء الثقة بين المواطن والسياسات العمومية؟ وكيف يمكن تحويل الأسرة المغربية من ضحية للأزمات إلى رافعة حقيقية للتنمية؟

وفي ظل سياق دولي وإقليمي يتسم بتصاعد الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وما يرافقها من ضغوط متزايدة على القدرة الشرائية للأسر، عاد النقاش حول سبل حماية الطبقة المتوسطة والفئات الهشة إلى صدارة الاهتمام السياسي بالمغرب. وفي هذا السياق، جاء اللقاء الجهوي الثاني لـ رابطة الاقتصاديين الاستقلاليين بمدينة فاس، زوال يوم أمس السبت 4 أبريل 2026، ليضع هذه الأسئلة في صلب النقاش، ويؤكد أن حماية الأسرة وصون كرامة المواطن لم تعد مجرد وعود سياسية، بل مدخلا أساسيا لبناء مغرب أكثر عدلا وإنصافا، وذلك تحت شعار: “تعزيز الثقة وصون الكرامة: خطة عمل 2026-2035”.

عرف اللقاء مشاركة وازنة لعدد من المسؤولين الحكوميين والقيادات الحزبية والبرلمانية، تتقدمهم نعيمة بن يحيى وزيرة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة ،والسيد عبد الجبار الراشيدي كاتب الدولة المكلف بالإدماج الاجتماعي، رئيس المجلس الوطني، والدكتور علال العمروي رئيس الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية بمجلس النواب، والسيد عبد المجيد الفاسي الفهري نائب رئيس مجلس النواب، والسيد عبد اللطيف معزوز رئيس رابطة الاقتصاديين الاستقلاليين، فضلا عن حضور رؤساء جماعات وبرلمانيين ومفتشي الحزب ومنتخبين وأطر وكفاءات حزبية من مختلف أقاليم الجهة.

وشكل هذا الموعد مناسبة لتجديد التأكيد على انخراط حزب الاستقلال في بلورة تصورات عملية بشأن القضايا الاجتماعية والاقتصادية الأكثر إلحاحا، وفي مقدمتها دعم القدرة الشرائية للأسر المغربية، باعتبارها رافعة أساسية لتحفيز النمو الاقتصادي وتعزيز الاستقرار الاجتماعي، في ظل استمرار تداعيات الأزمات العالمية وتزايد الضغوط على الفئات المتوسطة والهشة.

وتمحورت أشغال هذا الموعد السياسي والفكري حول عدد من القضايا التي ترتبط بشكل مباشر بالحياة اليومية للمواطنين، وفي مقدمتها تخفيف العبء المالي المرتبط بالصحة، غير أن الحيز الأكبر من النقاش انصب على سبل تمكين المرأة والشباب باعتبارهما ركيزتين أساسيتين لأي نموذج تنموي ناجح.

فبالنسبة للمرأة، تم التأكيد على أن تعزيز حضورها الاقتصادي والاجتماعي لم يعد مجرد مطلب حقوقي، بل أصبح ضرورة تنموية حقيقية، بالنظر إلى الدور المحوري الذي تضطلع به داخل الأسرة والمجتمع. وتمت الإشارة إلى أن جزءا كبيرا من العمل الذي تقوم به النساء، خاصة داخل الأسرة وفي العالم القروي، يظل غير مرئي وغير مؤدى عنه، رغم مساهمته المباشرة في استقرار الأسر ودعم الاقتصاد المحلي. لذلك، فإن تمكين النساء من الولوج إلى فرص الشغل، والتكوين، والتمويل، والمبادرة الاقتصادية، من شأنه أن ينعكس بشكل مباشر على تحسين مستوى عيش الأسر وتقوية قدرتها على مواجهة الأزمات.

أما على مستوى الشباب، فقد شدد المتدخلون على أن ارتفاع نسبة الشباب غير النشيط أو غير المندمج في الدراسة أو التكوين أو الشغل يشكل تحديا حقيقيا أمام التنمية، بالنظر إلى ما يترتب عنه من إحباط اجتماعي وهدر للطاقات والكفاءات. وتم التأكيد على أن الشباب المغربي يمتلك مؤهلات كبيرة وقدرة على الابتكار والإنتاج، لكنه يحتاج إلى سياسات عمومية أكثر جرأة في مجالات التكوين والتشغيل ودعم المقاولة والمبادرات الذاتية.

كما تم التأكيد على أن الاستثمار في الشباب لا ينبغي أن يقتصر فقط على توفير فرص العمل، بل يجب أن يشمل أيضا إشراكهم في صناعة القرار المحلي والسياسي، ومنحهم فضاءات للتأطير والمواكبة، بما يحولهم من فئة تنتظر الحلول إلى قوة اقتراحية ومنتجة وقادرة على المساهمة الفعلية في بناء التنمية.

وفي مداخلتها، أكدت نعيمة بن يحيى أن الرهان على تحسين القدرة الشرائية للأسر المغربية يمر بالضرورة عبر تمكين النساء ومنحهن مكانة أكبر داخل الدورة الاقتصادية، بالنظر إلى ما تمثله المرأة من قوة إنتاجية واجتماعية ما تزال غير مستثمرة بالشكل الكافي.

وأوضحت أن النساء ما زلن يواجهن عددا من الإكراهات المرتبطة بالهشاشة وضعف الولوج إلى فرص الشغل والاستقلال الاقتصادي، رغم أنهن يساهمن بشكل يومي في استقرار الأسر وتماسكها. كما أبرزت أن العمل غير المؤدى عنه الذي تقوم به النساء داخل البيوت، وفي تربية الأبناء ورعاية الأسرة، يشكل دعامة حقيقية للاقتصاد الأسري، رغم أنه لا يحظى بما يستحقه من اعتراف أو تثمين.

وشددت على أن إدماج النساء بشكل أكبر في سوق الشغل، وتوفير شروط التمكين الاقتصادي لهن، من شأنه أن يساهم في رفع دخل الأسر وتحسين أوضاعها الاجتماعية، معتبرة أن تحويل الجهد غير المرئي الذي تبذله النساء إلى قيمة اقتصادية معترف بها يعد خطوة أساسية نحو تحقيق تنمية أكثر عدلا وإنصافا.

وفي السياق ذاته، أبرز عبد الجبار الراشيدي أن قضية المسنين أصبحت من بين التحديات الاجتماعية الكبرى التي تفرض نفسها بقوة، في ظل ما يعرفه المجتمع المغربي من تحولات ديمغرافية متسارعة وتراجع تدريجي لدور الأسرة الممتدة في احتضان كبار السن والتكفل بهم.

وأشار إلى أن محدودية المعاشات وارتفاع كلفة العلاج وتزايد مؤشرات الهشاشة الاجتماعية والصحية لدى المتقاعدين تجعل من إصلاح نظام التقاعد أولوية وطنية لا تحتمل التأجيل، لما لذلك من أهمية في ضمان الحد الأدنى من العيش الكريم لهذه الفئة.

كما شدد على ضرورة اعتماد سياسات أكثر فعالية تجاه كبار السن، تقوم على مواكبة الأسر المتكفلة بهم، وتخفيف الأعباء التي تتحملها، إلى جانب تطوير آليات للحماية والرعاية تضع المسنين في صلب الاهتمام العمومي، بما يحفظ كرامتهم ويعزز شعورهم بالأمان والاستقرار.

اللقاء الجهوي الثاني لرابطة الاقتصاديين الاستقلاليين بمدينة فاس جاء ليؤكد مرة أخرى أن حزب الاستقلال يواصل، من خلال أطره ومناضليه، التزامه الراسخ بوضع القضايا الاجتماعية والاقتصادية في صلب أولوياته. وقد أبرز هذا اللقاء مدى حرص الحزب على تجاوز النقاش النظري والاكتفاء بالشعارات، نحو البحث عن حلول عملية قابلة للتنفيذ على أرض الواقع، تستجيب لتطلعات المواطنين وتلامس احتياجاتهم اليومية.

واستفاض المشاركون في طرح مقترحات وإستراتيجيات تستهدف تعزيز القدرة الشرائية للأسر، دعم النساء والشباب وتمكينهم اقتصاديا واجتماعيا، بالإضافة إلى وضع آليات مبتكرة لحماية كبار السن وضمان كرامتهم. كما ركز اللقاء على أهمية تحويل السياسات العمومية إلى أدوات فعالة تحقق العدالة الاجتماعية وتضمن مشاركة جميع فئات المجتمع في التنمية، مع الحرص على أن تكون هذه الحلول قابلة للمتابعة والتقييم لضمان تأثيرها المستدام.

وفي هذا الإطار، شكل اللقاء فضاء للتشاور وتبادل الخبرات بين قيادات الحزب، المنتخبين، والأطر الاقتصادية والاجتماعية، بما يعزز من قدرة حزب الاستقلال على تقديم مقاربة شاملة ومتوازنة، تجمع بين الطموح التنموي وواقعية التنفيذ، وتعيد الثقة بين المواطن والسياسات العمومية.

وفي ظل تزايد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه الأسر المغربية، يتضح اليوم أن التحدي الأبرز لم يعد محصورا في مجرد تحقيق معدلات نمو اقتصادية، بل يتعداه إلى إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، وتعزيز التضامن الاجتماعي، وصياغة إطار جديد للتعاقد المجتمعي يضمن الكرامة الإنسانية، ويحمي الفئات الهشة، ويقوي مناعة المجتمع ضد الصدمات والأزمات.

ختاما، يؤكد هذا اللقاء الجهوي لرابطة الاقتصاديين الاستقلاليين أن الطريق نحو مغرب أكثر عدلا واستقرارا لا يمر فقط عبر السياسات الاقتصادية، بل عبر استراتيجية شاملة تضع الإنسان في صلب الأولويات، وتعتمد على تمكين المرأة والشباب، وصون حقوق المسنين، ورفع القدرة الشرائية للأسر، بما يرسخ أسس مجتمع متماسك وقادر على مواجهة التحديات المستقبلية بثقة وأمل.

التعليقات (0)
اضف تعليق