مصطفى تويرتو
في صيف عام 1844 لم تكن الحدود الشرقية للمغرب مجرد خط جغرافي هادئ بل كانت جبهة مفتوحة على صراع إقليمي محتدم. هناك بالقرب من وجدة دارت معركة إيسلي المواجهة التي وضعت المغرب وجها لوجه أمام فرنسا الاستعمارية في واحدة من أخطر لحظات القرن التاسع عشر.
كان السلطان عبد الرحمن بن هشام يدير شؤون دولة تواجه تحولات عميقة في موازين القوى الدولية. ففرنسا التي أحكمت قبضتها على الجزائر رأت في دعم المغرب للمقاومة الجزائرية بقيادة الأمير عبد القادر تهديدا مباشرا لمشروعها التوسعي. وهكذا تحول التوتر السياسي إلى صدام عسكري مباشر.
في 14 غشت 1844 التقى الجيشان في سهل إيسلي ورغم الحماس والعدد الكبير للمقاتلين المغاربة فإن التفوق التقني والتنظيمي الفرنسي كان حاسما. قاد المارشال توماس روبير بيجو قواته وفق تكتيكات حديثة مدعومة بمدفعية فعالة وانضباط عسكري صارم لتنتهي المعركة بهزيمة ميدانية للمغرب.
لكن إيسلي لم تكن مجرد خسارة عسكرية لقد كانت لحظة وعي تاريخي. كشفت المعركة بوضوح الفارق بين جيوش تقليدية تعتمد الشجاعة الفردية وجيوش أوروبية دخلت عصر التنظيم الحديث والتسليح المتطور. كما أدت إلى ضغوط دبلوماسية واتفاقيات فرضت على المغرب في سياق دولي لم يكن يميل لصالحه.
ومع ذلك فإن قراءة إيسلي بعين التاريخ تظهر أنها شكلت منعرجا مفصليا في التفكير الإصلاحي داخل الدولة المغربية. فقد أدركت النخبة الحاكمة أن الحفاظ على السيادة لم يعد رهين البطولة وحدها بل بات مرتبطا بالتحديث العسكري والإداري ومواكبة التحولات العالمية.
إيسلي إذن ليست صفحة هزيمة فقط بل صفحة درس قاس مهد لأسئلة الإصلاح وبناء الدولة الحديثة. ففي الشرق المغربي سنة 1844 لم يكن المغرب يدافع عن حدوده فحسب بل كان يواجه تحدي عصر جديد بكل ما يحمله من صدامات وتغيرات عميقة.