مسرح يهز القلوب بخنيفرة… عرض “راهِ ألا كبة” يعري ما يخفيه المجتمع .

 

– تقرير فلاش 24.. محمد المالكي خنيفرة.

في زمن تتكدس فيه الأسئلة المؤجلة ، ويضيق فيه صدر الواقع بثقل ما يقال همسا، جاء العرض المسرحي “راه ألا كبة” ليزيح الستار عن زوايا معتمة في النفس الإنسانية ، ويضع الجمهور وجها لوجه أمام مرآة لا تجامل .

مساء الأربعاء 28 يناير 2026 ، حلت جمعية النخيل للثقافة والفن والتربية القادمة من كلميم بمدينة خنيفرة ، محملة بعمل مسرحي يحمل أبعادا إنسانية عميقة ، ضمن جولة فنية تؤمن بأن الخشبة لا وطن لها سوى الإنسان .
لم يكن العرض مجرد محطة فنية عابرة ، بل موعدا مع سؤالٍ مؤجل ، ومع ذاكرة تعرف كيف تستيقظ حين ينادى عليها بالفن .

المسرحية ، التي يعني عنوانها “مجرد نفايات” ، قدمت فرجة فنية تجمع بين قوة الأداء وجمالية السينوغرافيا ، وأخذت الجمهور في رحلة مشوقة بين الإحساس والصراع والتساؤلات الوجودية التي تلامس واقع الإنسان في أبعاده الاجتماعية والأخلاقية .
هنا ، لا تطرح “النفايات” بوصفها أشياء ترمى ، بل كرمز لما يتراكم في الضمائر من أخطاء وصمت وتواطؤ .

المسرح في هذا العمل لم يكن احتفالا عابرا ، بل بدا كفعل مقاومة ناعم ، وفضاء لقاء ، وجسر هش لكنه ضروري بين الفن والحياة .
ومن خنيفرة ، كما من مدن كثيرة تشبهها ، تتجدد الحاجة إلى أن تكون الثقافة اختيارا لا تأجيلا ، وحياة لا هامشا .

مرور “راه ألا كبة” بخنيفرة لم يكن حدثا عابرا ، بل علامة مضيئة في درب المسرح المغربي ، ودليلا على أن الفرق الفنية ، رغم كل الصعوبات ، ما تزال تؤمن بالوصول إلى الناس حيثما كانوا .
كما شكل نداء صامتا من أجل أن يتحول المسرح من ضيف مؤقت إلى مقيم دائم في وجدان المدينة .

وقد كان جمهور خنيفرة حاضرا بكثافة ، لا كمتفرج عابر ، بل كشريك في المعنى .
صمت عميق ، ضحك حذر ، ونظرات مشدودة إلى الخشبة… كلها دلائل على مدينة تعرف كيف تصغي حين يخاطبها الفن بصدق ، مدينة تؤمن بأن المسرح ليس ترفا ، بل ضرورة ثقافية وإنسانية .

في عمق النص ، برزت دعوة قاسية في صدقها ، موجهة إلى كل من لوث المعنى وخان القيم وتسبب في أذى الآخرين ؛ دعوة لا تطلب الاعتذار بقدر ما تطالب بالمواجهة : مواجهة الذات ، الاعتراف بالخطأ ، وطلب الغفران علنا .
استعارة مسرحية قوية تقول إن النفايات ليست ما نرميه خارجنا ، بل ما نتركه يتعفن في داخلنا .

في تصريح له، أكد عمر أبولاه ، مدير الإنتاج ، أن العمل يحمل رسالة إنسانية عميقة ، مشيرا إلى أن المسرحية دعوة لإعادة النظر في أحكامنا على الآخرين ، ومنح الإنسان قيمته الحقيقية بعيدا عن التصنيفات الجاهزة .

من جانبه ، عبر يوسف التاقي ، الممثل المسرحي والسينمائي ، عن سعادته بالتفاعل الكبير للجمهور الخنيفري، معتبرا أن حرارة التفاعل دليل على وصول الرسالة ، وأن المسرح الحقيقي هو الذي يوقظ فينا الأسئلة .

أما إسماعيل هواري ، الباحث في المسرح والسينما ، فأبرز البعد الرمزي والفلسفي للعمل ، موضحا أن العنوان يتحول فوق الركح إلى صرخة فنية قوية تضع المتفرج أمام واقعه دون أقنعة .

هذا الموعد المسرحي أكد مرة أخرى أن خنيفرة ليست فقط فضاء للفرجة ، بل مدينة تحتضن المسرح الجاد ، حيث تتحول الخشبة إلى مساحة للتفكير والحوار وإعادة طرح الأسئلة الكبرى .

المسرح هنا لم يكن للترفيه فقط… بل ليقول ما يصعب قوله خارجه.

مسرح يهز القلوب بخنيفرة… عرض “راهِ ألا كبة” يعري ما يخفيه المجتمع .
التعليقات (0)
اضف تعليق