تاونات.. تجاوزات مقلقة في تدبير الأعوان الموسميين وبطاقات الهاتف ببعض الجماعات

 

عادل عزيزي

تنكشف يوما بعد آخر ممارسات خطيرة داخل بعض المجالس الجماعية بإقليم تاونات، ممارسات لم تعد تندرج ضمن خانة الاختلالات الإدارية، بل ترقى إلى مستوى الخروقات الجسيمة التي تستدعي المساءلة القضائية، لما تنطوي عليه من تبديد محتمل للمال العام واستغلال واضح للنفوذ، في ضرب صارخ لمبادئ الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
أول هذه الملفات هو ملف الأعوان الموسميين، الذين يفترض أن يتم تشغيلهم لسد حاجيات ميدانية ظرفية ومحددة، غير أن الواقع يكشف عن تشغيل عشوائي وصوري، دون مهام واضحة، ودون عقود مضبوطة، مع أجور هزيلة تتراوح ما بين 900 و1800 درهم، وأحيانا لا تصرف إطلاقا، ما يضع هؤلاء الأعوان في وضعية استغلال فج، ويجعلهم رهائن للمزاج الإداري والولاءات السياسية.
وفي الوقت الذي يهان فيه العون البسيط، تفتح أبواب الجماعات أمام تشغيل الأبناء، والأقارب، والأصدقاء، وزوجات بعض الموظفين والمسؤولين، بل وحتى أشخاص لا يطؤون مقر الجماعة إلا في آخر الشهر، دون أي تكليف فعلي أو مصلحة مرفقية تبرر وجودهم، ممارسات تشكل خرقا واضحا لمبدأ تكافؤ الفرص، وتحول الجماعات الترابية إلى فضاءات لتوزيع الريع الانتخابي والاجتماعي على حساب المصلحة العامة.
ولا يقل خطورة عن ذلك ملف شراء الهواتف المحمولة وبطاقات الاتصال، حيث تفيد معطيات متطابقة بأن بعض الجماعات تقدم على اقتناء هواتف نقالة من المال العام، وتقوم بتوزيعها على أشخاص لا صفة لهم داخل الجماعة، ودون أي مقرر قانوني، أو محضر تسليم، أو تحديد للمهام المرتبطة باستعمالها، هواتف تمنح كامتياز شخصي، لا كوسيلة عمل، في استخفاف تام بالقوانين المنظمة للنفقات العمومية.
أما بطاقات الهاتف، فقد تحولت في بعض الجماعات إلى وسيلة مكافأة غير معلنة، توزع على زوجات ومقربين من مسؤولين ومنتخبين وأصحاب، دون أي سند قانوني، ودون مراقبة لحجم الاستهلاك أو مبرراته، وكأن المال العام بلا صاحب، وكأن ميزانية الجماعة صندوق خاص يصرف وفق منطق “تسيير ضيعة خاصة” لا وفق المصلحة العامة.
إن خطورة هذه الممارسات لا تكمن فقط في كلفتها المالية، بل في ضربها لمبدأ الحكامة الجيدة، وتشويهها لصورة التدبير المحلي، وتعميقها لفقدان الثقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة، كما أنها تطرح أسئلة حارقة حول دور المراقبة الداخلية، وجدوى التقارير، وحدود تدخل السلطات الوصية التي تكتفي، في كثير من الأحيان، بدور المتفرج.
وأمام هذا العبث الممنهج، يصبح فتح تحقيقات معمقة من طرف المفتشيات العامة والمجالس الجهوية للحسابات والسلطات، أمرا لا يحتمل التأجيل، مع ترتيب الجزاءات القانونية اللازمة في حق كل من ثبت تورطه في هذه الخروقات، حماية للمال العام، وإنصافا للأعوان الذين يستغلون في صمت، ووقفا لنزيف جماعات كان يفترض أن تكون في خدمة المواطن، لا في خدمة الامتيازات والولاءات.
فالمال العام ليس ملكا لأحد..
والجماعة ليست ضيعة..
والأعوان ليسوا أدوات انتخابية..
والهواتف وبطاقات الاتصال وجدت لتدبير المصالح العامة وخدمة المرفق العمومي،
لا لتوزيعها على المعارف والمقربين؟
ولا لتحويلها إلى امتيازات شخصية أو عطايا خفية خارج أي إطار قانوني؟
وإلى أن تفتح آليات المحاسبة، يبقى السؤال معلقا، من يحمي المال العام… ومن يحاسب من؟

تاونات.. تجاوزات مقلقة في تدبير الأعوان الموسميين وبطاقات الهاتف ببعض الجماعات
التعليقات (0)
اضف تعليق