بوناصر المصطفى
يتضح جليا والحكومة الاجتماعية على مسافة قصيرة من نهاية مدتها الانتدابية، أن برنامجها اقتصاد الرعاية الاجتماعية بقي مشروعا غير ناضج معتقلا في خطاب أجوف وأبعد ما يكون عن ملامسة الواقع.
لقد كان لغياب الإرادة في توفير شروط التفعيل والتنزيل دليل عن عجز الحكومة عن إبداع تصور يستحضر البنية المؤسساتية الجديرة بإحداث ذلك الأثر المنشود، إلا أنه للأسف شهدت الأوضاع تراجعا صارخا في المؤشرات، باقتصار الحكومة على إفراز قرارات عقيمة وغير منسجمة لم تغير من واقع النساء، لذا الضرورة تطلب من المسؤول الحكومي الاستعجال في تبني بينة مؤسساتية تشرك المجتمع المدني الفاعل في تحقيق أهداف النمو، وذلك بتعبئة الموارد المالية والبشرية لتجاوز الاختلالات البنيوية مع تركيز على العالم القروي وهوامش الحواضر.
فهل يمكن ايعاز هذا التناقض في تنزيل الأهداف الطموحة إلى بطيء في استيعاب إكراهات مأسسة النوع الاجتماعي؟
أو مجرد نتيجة بؤس مخطط سياسي هابط؟
أمام هذا الوضع وتراكم التحديات نظمت تنسيقية أجيال المساواة ورشات ميدانية لتقييم برنامج اقتصاد الرعاية الاجتماعية مساهمة منها في تقويم هذه السياسات المعتمدة، لما أثارت من تساؤلات مقلقة حول فعاليتها بتنزيل مخططات حكومية تفتقر الى الحكامة والمراجعة لوضع مقاربة النوع ضمن رؤية تضع في الحسبان تسجيل بالإلحاح لمحاور وخطوات كفيلة بتمكين النساء اقتصاديا ليكتسبن حقوقهن المشروعة عبر إشراك وازن للمجتمع المدني، وذلك بتحفيزه بالدعم المادي والمعنوي وهذا لن يتأتى إلا باستحضار إرادة سياسية حقيقية قصد تنفيذ البرامج بفعالية و تبني عدالة مجالية تعطي الأولوية للمناطق الأكثر احتياجا.
من خلال التقصي للمجتمع المدني لأوضاع النساء، بدأت الإكراهات تبدو جلية تعوق التنزيل وتنفيذ المخططات، مما يعكس غياب الإرادة السياسية والقدرة على مواجهة صعوبات تطبيق استراتيجيات هادفة ونظرا لكون تلك الأهداف تفتقد لعنصر التوازن بين الخطط والتنزيل الفعلي لبرنامج اقتصاد الرعاية الاجتماعية أصبح مجال التفاوت واسعا بين القرى والمدن لتتكرس العدالة المجالية.
من هذا المنطلق تأكد أن التعاون مع المجتمع المدني وتحفيز مشاركته في تنفيذ البرامج أمرا ضروريا وخطوة مهمة نحو تحقيق الأهداف بشكل أفضل، كما تستدعي الحاجة لبذل جهود مركزة على العالم القروي وهوامش الحواضر، حيث الوضع الاقتصادي والاجتماعي له تحدياته المضاعفة.
فهل يوعز تعطيل تنزيل الأهداف الطموحة إلى صعوبات عملية تقنية أو مرده إلى نوع من التواطؤ والاستغلال السياسي الهابط؟
هكذا سجلت تنسيقية أجيال المساواة توصيات ضمن محاور استراتيجية أربعة عكست رؤية تركيبية ومخرجات ورشات وشخيص ميداني.
في إشارة للمخرجات فقد حصرتها التنسيقية في محاور أربعة، مع ان ترتيبها ليست له آية أهمية لأن المعالجة المندمجة تقتضي شمولية الرؤية في التحليل والتناول.
جاء المحور الأول “محور التخطيط والميزانية ومأسسة النوع الاجتماعي” تلح من خلاله التنسيقية بالتركيز على عنصر الدمج المنهجي والمؤسسي لمقاربة النوع الاجتماعي في آليات الحكامة الترابية، وذلك بالرفع من جودة إدماجه في الميزانية، وفي جميع مراحل الإعداد، التنفيذ، التتبع، والتقييم لمخطط التنمية الجهوية، مع الإصرار على اعتماد ومأسسة الميزانية كي تصبح آلية فاعلة في عملية تدبير الشأن العمومي، لإقرار منظومة متكاملة داخل الجهة تضمن معطيات واحصائيات مفصلة ومبوبة حسب النوع الاجتماعي (العمر والمجال) كي يتمكن التحليل العميق من توجيه الإنفاق العام نحو تنزيل عدالة مجالية حقيقية.
مع تسريع الخطى في إخراج خطة جهوية للمساواة كإطار لأجرأة خطة “إكرام”، وربطها عضويا بـبرنامج التنمية الجهوي (PDR). والعمل على تحقيق اتقائية تتناغم فيها المخططات المتداخلة: برامج العمالات والأقاليم، مع المخططات الجهوية وخطط المساواة.
أما محور التمكين الاقتصادي والاستقلالية المالية فقد اعتبر مفتاح حقيقي، بالتركيز على دعم ريادة الأعمال النسائية والقضاء على الهشاشة.
على اعتبار أن الاستقلال المالي هو السبيل إلى تمييز ايجابي بإصدار مقرر من مجلس الجهة يعتمد في قانون الصفقات على حصة خاصة تلج اليها التعاونيات والمقاولات النسائية دعما للاقتصاد التضامني لتوسيع قاعدته كآلية للقضاء على الهشاشة، عبر اليات التمويل، والتكوين، والدعم التقني والمواكبة. دون تغييب لتثمين العمل المنزلي (غير المأجور) للنساء في المناطق القروية والنائية، وإدماجه في الحسابات الترابية للجهة كجزء من المجهود الاقتصادي العام.
ليأتي محور الحكامة والاشراك والتحديات السوسيوثقافية ليستهدف تفعيل مكونات الديمقراطية التشاركية ومواجهة المعيقات التي تحد من ولوج المرأة للحقوق والخدمات:
سواء بتقوية أدوار هيئة المساواة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع وتوفير الدعم اللوجستي والمالي لها، واعتمادها كـقوة اقتراحية فاعلة ومؤثرة في القرار الجهوي.
أو ضمان تمثيلية قوية ومنصفة للنساء في الهيئات المنتخبة والتشاورية، مع تقوية قدرات أعضائها في تحليل وتقييم السياسات العمومية.
أو اعتماد سياسات عمومية محلية موجهة ووقائية تراعي وتتصدى للتحديات اللغوية والثقافية والاجتماعية التي تواجه النساء الأمازيغيات تحديداً.
أو تنظيم حملات تحسيسية شاملة تستهدف النساء وتعالج تضخم الذكورة لكسر عادات وتقاليد سلبية، وتعزيز التنشئة الاجتماعية الإيجابية كأرضية لتقبل التكامل بين الجنسين.
أو توجيه الجمعيات لـتقوية قدراتها في الترافُع في قضايا التنمية المستدامة، اعتماداً على تحليل وتقييم دقيق لمدى استجابة البرامج للنوع الاجتماعي.
وأخيرا ليس اخر محور الخدمات والبنيات التحتية ليقر بان تعزيز البنيات التحتية بتشييد طرق تفك العزلة على المناطق النائية وتخفف العبء عن المرأة بما يضمن لها الاستفادة من خدمات القرب، بإحداث تجهيزات عمومية ملائمة في المناطق القروية وحواشي التجمعات الحضرية، تتوفر على مرافق رياضية وثقافية ودور حضانة تخفف عبء الرعاية غير المأجورة عن النساء.
توازيها خدمات أساسية لولوج الصحة، التعليم كخدمات أساسية، مع تيسير سبل ولوج النساء إلى المعلومة والخدمات باللغة الأمازيغية، واعتمادها في التواصل الإداري مع إعطاء الأولوية باستعجال قضايا نساء عانين الامرين في المناطق المتضررة من الكوارث الطبيعية بتدخلات تحصن الكرامة بالدعم المادي والنفسي.
إن اعتماد سياسة ترابية دامجة وترسيخ مرتكزات النوع الاجتماعي في كل مراحل التنزيل رهين بمأسسة المنظومة وعبر تمكين اقتصادي شامل ومتكامل
في ظل فوضى قرارات السياسية لتنزيل مقاربة النوع وتمكين النساء اقتصاديا تحاول الحكومة اقناعنا بصواب المنهج في تجاهل لعناصر أساسية كالمأسسة والاشراك والتخطيط والاستقلالية المالية والبنيات التحتية والخدماتية ..
#هل من اليات عملية اخرى يمكن للمجتمع المدني اعتمادها لفرض توصياته؟
#كيف لمجتمع المدني التأكد من التزام الحكومة بقانون الاشراك؟
#هل من رسائل أخرى يود المجتمع المدني توجيهها للحكومة؟