عادل عزيزي
في سياق دينامية التغيير التي تشهدها الإدارة الترابية بالمملكة، وتفعيلا للتوجيهات الملكية السامية الهادفة إلى تجديد النخب وضخ دماء جديدة في مفاصل الدولة، عين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، السيد عبد الكريم الغنامي عاملا جديدا على إقليم تاونات، في أول مهمة له بهذا المنصب، بما يعكس الثقة المولوية في كفاءته وقدرته على إحداث التغيير المنشود.
وينظر إلى هذا التعيين على أنه بداية مرحلة جديدة في مسار إقليم تاونات، الذي ظل لسنوات يرزح تحت وطأة اختلالات تنموية متعددة، رغم مؤهلاته الفلاحية والطبيعية والبشرية الغنية، فقد أضحت الملفات التنموية الثقيلة المطروحة على مكتب العامل الجديد بمثابة اختبار حقيقي لقدرته على الدفع بعجلة التنمية المحلية، وفكّ العزلة عن إقليم طاله النسيان لسنوات.
وحتى نكون منصفين فقد راكم الإقليم خلال السنوات الماضية مبادرات تستحق التقدير، غير أن الواقع ما يزال يكشف عن اختلالات بنيوية تعيق تحقيق تنمية متوازنة، فعدد من الجماعات القروية تعاني ضعفا في البنيات التحتية، وخصاصا في الخدمات الصحية والتعليمية، فيما تظل فرص الشغل محدودة، تدفع بالشباب إلى هجرة داخلية/خارجية قاسية بحثا عن أفق أرحب.
لكن هناك ملفات كبرى تستدعي حكمة القرار وسرعة الفعل، من قبيل النهوض بالعالم القروي، وتأهيل البنيات التحتية الطرقية والصحية والتعليمية والرياضية، وتدبير الموارد المائية “مشكل العطش”، وتحفيز الاستثمار المحلي، ومعالجة إشكالية البطالة والهجرة، إلى جانب تعزيز الحكامة المحلية ومحاربة الهشاشة في الجبال والقرى النائية، إنها ملفات ثقيلة، لكنها في الآن ذاته، فرص حقيقية لصناعة الفرق وإطلاق دينامية تنموية جديدة ترسخ ثقة المواطن في الإدارة وتفتح لتاونات آفاقا أرحب.
ولا أحد ينكر أن تاونات تمتلك مؤهلات كبرى، أراض فلاحية خصبة، ومياها وافرة، وطاقات بشرية مبدعة، لكن هذه الإمكانات ما زالت تنتظر من يحسن توظيفها ضمن رؤية استراتيجية تحول الإمكان إلى إنجاز، والحلم إلى واقع ملموس.
إن التنمية، لا تقاس بالأرقام ولا بالمشاريع المعلقة، بل بما يلمسه المواطن البسيط في حياته اليومية، إنها قبل كل شيء إرادة تنصت..، وحكامة تنصف..، ورؤية تنجز..، فالمواطن في تاونات لا يطلب المعجزات، بل فقط أن يشعر أنه في قلب الاهتمام الوطني، لا في هامشه.
فالطريق نحو تنمية حقيقية يمر عبر المقاربة التشاركية التي تشرك الجميع، السلطات المحلية، والمجالس المنتخبة، والمجتمع المدني، والفاعلين الاقتصاديين والإعلام..، فالتنمية ليست قرارا إداريا، بل فعلا جماعيا يترجم روح الانتماء والمسؤولية المشتركة.
الأمل أن يحظى الإقليم بما يستحقه من عناية خاصة، وأن يوجه الاهتمام إلى البنيات التحتية، ودعم الفلاحين والمقاولين الشباب، وتحسين جودة التعليم والصحة، كما نأمل أن يفتح باب التواصل الدائم بين الإدارة والمواطن، لأن الإنصات هو أول أبواب الثقة، والثقة هي أساس كل نهضة.
إن الطموح اليوم هو أن يتحول إقليم تاونات من منطقة ظلت لعقود على هامش التنمية إلى نموذج في التدبير التشاركي والحكامة المحلية الرشيدة، ونحن على يقين أن الإرادة الصادقة والتنسيق بين مختلف الفاعلين يمكن أن يصنعا الفرق، وأن يجعلا من هذا الإقليم فضاء يليق بتضحيات أبنائه وطموحاتهم.
هذه ليست صرخة، بل رجاء ودعوة هادئة مشبعة بالأمل، نوجهها إلى مسؤول عرف بجديته في العمل وحرصه على القرب من المواطن، وبأسلوبه المتزن الذي يفضل الإصغاء على الخطابة، والفعل على الوعود، لقد سبق صيتكم إلى الإقليم بما يكنه عنكم من عرفوكم في محطات سابقة من تقدير لمسؤول يؤمن بأن التنمية لا تبنى بالأوراق، بل بالتواصل الفعال والنزول إلى الميدان.
إن تعينكم على رأس الهرم الإداري للإقليم ليس مجرد انتقال إداري، بل فرصة لبداية مرحلة جديدة قوامها الجدية في الأداء، والانفتاح على مختلف الفاعلين، والرغبة الصادقة في تحويل طاقات الساكنة إلى قوة اقتراحية.
فإقليم تاونات، الذي طال وقوفه في طوابير الانتظار، يستحق منكم، ومن كل الغيورين على الشأن المحلي أن يمنح فرصته في الضوء، وأن تفتح أمامه أبواب الغد الرحب.
تاونات ليست مجرد إقليم على الخريطة، بل نبض حي يسهم في عطاء وطنه المستمر، والمواطن التاوناتي على يقين أنكم، بما عرف عنكم من انفتاحٍ، وصرامة إيجابية، وإيمان بجدوى العمل الميداني، ستكونون خير من يترجم آمال الساكنة إلى واقع تنموي ملموس يعيد لتاونات بريقها المستحق.