عادل عزيزي
يعيش إقليم تاونات دينامية احتجاجية متواصلة، تعبيرا عن مطالب اجتماعية واقتصادية ملحة، أبرزها فك العزلة وتحسين خدمات التعليم والصحة والبنيات التحتية..، هذه التحركات، رغم بساطة مطالبها الظاهرة، تعكس اختلالات تنموية عميقة وتفاقم أزمة الثقة في المؤسسات التمثيلية، ما يدفع الساكنة إلى التوجه مباشرة نحو العمالة أو الجهات المسؤولة للمطالبة بحقوقها.
تحركات شعبية عفوية وإن بدت في ظاهرها مطالب بسيطة وحقوقا بديهية تكشف في العمق تكريس إشكالات بنيوية تتجاوز حدود الإقليم لتطرح أسئلة التنمية الترابية المتوازنة، وتعد معبرا عن مؤشرات احتقان متصاعد تؤججه أزمة “الوساطة التمثيلية”، إذ تتقلص الثقة في المنتخبين حد الانعدام أحيانا لتجعل الساكنة مقر العمالة مقصدا لها.
في تاونات، الحراك الاجتماعي يشتعل، تهميش تنموي مزمن، غياب العدالة المجالية… ومع ذلك، الغائب الأكبر عن هذا المشهد ليس وزير الصحة ولا وزير التجهيز ولا وزير الماء ولا وزراء باقي القطاعات، بل الغائب الأكبر هم برلمانيوا الإقليم الذين يبدون وكأنهم خلقوا ليكونوا أبطال مسلسل “الكاميرا الخفية”، لا تراهم إلا بالصدفة، وفي لحظات لا يتوقعها أحد.
هؤلاء البرلمانيون، الذين أقسموا ذات يوم أمام الشعب والدستور أن يمثلوا تاونات، تحولوا إلى كائنات سياسية نادرة، تصنف اليوم ضمن “الأنواع المهددة بالظهور”، المواطنون يبحثون عنهم كما يبحث علماء الآثار عن بقايا الديناصورات، آثار قديمة على جدران الانتخابات، لكن لا وجود في الواقع.
في تاونات، الناس يحتجون على غياب المستشفيات، على الطرق المهترئة، على غياب التنمية والعدالة المجالية…
لكن برلمانيو الإقليم يعيشون حياة مريحة جدا، وكأنهم منتخبون لتمثيل المقاعد الوثيرة في الرباط لا الساكنة التي صوتت لهم..
لدينا في تاونات أصناف برلمانيين يصلحوا لتصوير مسلسل ساخر..
برلماني المقاعد الدافئة، تراه جالسا في البرلمان مثل تمثال شمع، لا يتكلم، لا يقاطع، لا يسائل، فقط يعد دقائق الجلسة في انتظار نهاية الشهر.
برلماني الفيسبوك، بطولاته كلها افتراضية، ينشر صورا من أمام البرلمان أو “سيلفيات” في الاجتماعات ومع الوزراء، ويكتب جملة مبهمة عن “خدمة الصالح العام”
برلماني المناسبات، لا يظهر إلا في الأعراس، الجنائز، أو حفلات “قص الشريط”، يوزع الابتسامات كما يوزع الحلويات، ثم يختفي.
برلماني الغفلة، ذلك الذي يمر أمامك في السوق وكأنك لم تصوت له، وإذا ذكرته بوعوده الانتخابية، يبتسم لك ابتسامة “ديبلوماسية” أقرب إلى الضحك عليك.
وعندما يسأل الناس، أين برلمانيو تاونات؟ تأتي الإجابة الجاهزة:
ربما مشغولون بتجديد بطاقات البنزين..
أو يدرسون “العدالة المجالية” في فنادق الخمسة نجوم..
وربما يتدربون على فن الاختفاء في معاهد الرباط، استعدادا لأدوار جديدة في الموسم الانتخابي القادم!.
والمضحك المبكي أن المواطن في تاونات، حين يمرض، عليه أن يقطع نصف عمره في طريق مليئة بالحفر نحو مستشفى بلا اطباء، بلا تجهيزات..
أما برلمانيه، فيكفي أن يصاب بصداع خفيف حتى يطير إلى مصحات الرباط أو الدار البيضاء، ليعالج بأحدث الوسائل الطبية التي لا يعرف سكان تاونات حتى أسمائها.
باختصار، برلمانيو تاونات ليسوا مجرد ممثلين للشعب، بل ممثلون بارعون في مسرحية هزلية عنوانها: نجوم “الكاميرا الخفية..!”