تاونات.. تحقيق يكشف حقيقة الوضع الصحي بالمستشفى الإقليمي 

عادل عزيزي

تشهد الساحة المحلية بإقليم تاونات في الآونة الأخيرة حالة من الغليان الاجتماعي، بعدما تصاعدت أصوات فعاليات محلية، تطالب بضرورة التدخل العاجل لإنقاذ المستشفى الإقليمي من وضعه المقلق حيث أصبح يعد محطة عبور نحو فاس أكثر من كونه مؤسسة قادرة على تقديم خدمة طبية لائقة للمواطنين.

وقد تزايدت الدعوات إلى تنظيم أشكال احتجاجية للتعبير عن رفض واقع المنظومة الصحية بالإقليم، بالتوازي مع إطلاق هاشتاغ #ساكنة_إقليم_تاونات_تطالب_بحقها_في_التطبيب، الذي سرعان ما تحول إلى ترند على مواقع التواصل الاجتماعي، للتنديد بواقع “الإقصاء الصحي” الذي يعيشه إقليم تاونات.

مستشفى بلا روح

من يزور المستشفى الإقليمي يدرك بسرعة أنه أمام بناية تحمل اسم “مستشفى” لكنها تفتقد لمقوماته الأساسية، قسم الولادة بطبيب واحد فقط، تخصصات حيوية غائبة، أجهزة معطلة، وأطر مرهقة تعمل بما يشبه “المستحيل”، النتيجة، إحالات يومية بالجملة نحو فاس، وكأن قدر التاوناتيين أن يظلوا غرباء في مدينتهم، لا يجدون العلاج إلا خارجها.

قسم الولادة محطة لعبور الأمهات إلى الموت

“خليوني نرجع فحالي، واش باغيني نموت؟”، “باغية نولد في الدار”، “بغيت نعيش لوليداتي”، عبارات حزينة، رددتها “خديجة”، الحامل في حالة مخاض، قرب قسم الولادة بالمستشفى الإقليمي بتاونات، لم ترد خديجة ولوج القسم المذكور لأنها تفضل الولادة التقليدية “لدى القابلة”، لكن الخوف من شبح الموت دفعها إلى التراجع عن الولادة في المستشفى.

ورغم توسل الزوج، وإلحاحه على خديجة بأن تدخل المستشفى، بعد أن وصلت مرحلة المخاض، إلا أنها رفضت، وخرجت مهرولة في اتجاه سيارة الأجرة، وساعتها، لم يجد الزوج بدا سوى احترام رغبتها، ونقلها إلى مكان سكنهما، في إحدى قرى تاونات، كي تلد لدى المولدة التقليدية، القابلة.

خديجة واحدة من النساء الحوامل، اللواتي تسرب إليهن الخوف، بعد سماعهن عن سوء المعاملة بقسم الولادة، الشتم، كلام ساقط…” التي تتعاملن بها المكلفات بالحوامل بقسم الولادة، فأغلبهن لا يدخلن هذا القسم، إلا بعد أداء الشهادة، ولديهن يقين أن مصيرهن سيكون المقبرة.

مأساة النسوة الحوامل تتفاقم في ظل العوز والفقر، فيكابدن عناء التنقل إلى تاونات وكلهن أمل أن يضعن مواليدهن في ظروف حسنة، في حين التزمت مديرية الصحة الصمت أمام هذا الوضع الكارثي الذي يعانيه مستشفى يستقبل نساء حوامل من الإقليم، والذي أصبح فقط محطة عبور لفاس في استهتار بصحة المواطن سواء كانت الحالة مستعجلة أو غير ذلك.

وواقعة ليلة الثلاثاء 29 يوليوز 2025خير دليل على ذلك، واقعة مؤلمة تعكس حجم الأزمة التي يعيشها قسم الولادة بالمستشفى الاقليمي، تفاصيل الواقعة تجدونها على جريدة فلاش 24 في مقال بتاريخ 11 غشت 2025.

واقع على الأرض، مرضى في رحلة البحث عن العلاج

زيارة ميدانية سريعة للمستشفى الإقليمي كافية لرصد حجم معاناة المرضى وأسرهم، فالمواطنون يصطفون في طوابير طويلة من أجل معاينة طبية قد لا تتجاوز بضع دقائق، قبلها لابد أن تذهب إلى الصندوق لأداء مبلغ 40 درهما لرؤية الطبيب ليقوم بتحويلك إلى فاس، بينما يضطر آخرون لانتظار أسابيع وشهور للحصول على موعد للفحوصات أو العمليات البسيطة.

أبرز ما يشتكي منه المرتفقون هو غياب التخصصات الطبية الحيوية مثل أمراض القلب، السرطان، وطب العيون، المسالك البولية وتخصصات أخرى..، مما يجعل المستشفى مجرد محطة عبور نحو فاس أو المصحات الخاصة.

هذا الوضع، الذي يتكرر يوميا، يرهق كاهل الأسر التاوناتية ماديا ومعنويا، ويؤكد أن المستشفى لم يعد قادرا على تلبية الحاجيات الأساسية للسكان.

شهادات من داخل المستشفى

خلال الزيارة الميدانية، عبرت سيدة قدمت من إحدى الجماعات القروية عن الصعوبة في الحصول على موعد طبي قائلة، “انتظرت ساعات طويلة لمقابلة الطبيب، بعد ذلك تم توجيهي إلى المستشفى الجامعي بفاس”.

في المقابل، أوضح أحد الأطباء أن الطاقم الطبي يبذل مجهودات كبيرة رغم محدودية الإمكانيات، “نشتغل بعدد قليل من الأطباء والممرضين، وبعض التخصصات غير متوفرة محليا، ما يجعل تحويل بعض الحالات أمرا ضروريا”.

نقص في التجهيزات والموارد البشرية

من خلال شهادات مهنية، يتضح أن الإشكال ليس فقط في البنية التحتية، بل أيضا في النقص الحاد في الأطر الطبية، حيث يشتغل عدد محدود من الأطباء في ظروف مرهقة، فأغلب التخصصات الموجودة تتوفر على طبيب واحد، حيث يتوفر المستشفى الإقليمي على 13 تخصص و 20 طبيب أخصائي.

أما التجهيزات الطبية، فيوصف جزء منها بـ”المتجاوز”، فيما تبقى بعض الأقسام شبه مشلولة بسبب أعطاب الأجهزة أو غيابها أصلاً.

دعوة على مواقع التواصل الاجتماعي بالنزول للشارع

إطلاق هاشتاغ #ساكنة_إقليم_تاونات_تطالب_بحقها_في_التطبيب لم يكن مجرد مبادرة شبابية على مواقع التواصل، بل شكل أرضية لتوحيد أصوات المواطنين، فالمنشورات المتداولة تحمل صورا ومعطيات عن معاناة المرضى، وتوثق لحالات اضطرارية أجبرت على التنقل نحو فاس.

وقد بدأت مجموعة من الفعاليات المحلية بالدعوة إلى تنظيم وقفة احتجاجية سلمية أمام مقر المستشفى الإقليمي، للضغط على المسؤولين قصد التدخل العاجل.

تساؤلات حول البدائل والحلول

الساكنة لم تعد تقبل بتبريرات “قلة الموارد” أو “إكراهات التوزيع الوطني للأطر الطبية”، بل تطالب بخطة إصلاحية جادة تضع المستشفى الإقليمي ضمن أولويات الدولة في إطار مشروع تعميم التغطية الصحية.

ما بين دعوات الاحتجاج والواقع المأزوم، يظهر أن الوضع الصحي في إقليم تاونات أصبح مرآة عاكسة لمعضلة وطنية أوسع مرتبطة بضعف المنظومة الصحية في العالم القروي، ومع تزايد الأصوات الغاضبة وارتفاع حدة النقاش العمومي، يبقى السؤال المطروح هل سيتحرك المسؤولون لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، أم أن الساكنة ستظل رهينة رحلة “العبور الإجباري” نحو فاس؟

تاونات.. تحقيق يكشف حقيقة الوضع الصحي بالمستشفى الإقليمي
التعليقات (0)
اضف تعليق