تاونات.. مخدر “البوفا” ينتشر في صمت بين الشباب و المراهقين 

عادل عزيزي

تاونات، تلك المدينة الصغيرة المتربعة بين أحضان جبال الريف، تأسر الزائر بسحرها الطبيعي وهدوئها الآسر، هنا، حيث تعانق التلال السماء، وتنساب الوديان رقراقة بين الحقول، تنبض الحياة بوتيرة بطيئة، لا تحتاج إلى كثير من الوقت لتقع في حب هذه المدينة، الحياة البسيطة والوجوه التي تستقبلك بابتسامة صادقة، كفيلة بأن تمنحك شعورًا بالانتماء حتى وإن كنت غريبا عنها.

غير أن هذا الهدوء لا يعكس بالضرورة واقعا خاليا من القلق، فخلف المشهد الطبيعي الخلاب و المحيط الاجتماعي الهادئ، بدأت ملامح خطر صامت يتسلل إلى شباب المدينة وكذا المراهقين، خطر يتمثل في انتشار مخدر خطير يعرف  بـ”البوفا”، أو ما يطلق عليه في أوساط متعاطيه بـ”كوكايين الفقراء”، الذي أصبح يعرف، في السنوات الأخيرة، إقبالا متزايدا بين فئة الشباب والمراهقين، خاصة المدمنين منهم، بسبب رخص ثمنه وتأثيراته المنشطة السريعة، كالشعور بالنشوة والحيوية والارتياح الجسدي والإحساس بالزيادة في مستويات الطاقة.

هذا المخدر، الذي انتشر على نطاق واسع في المدن الكبرى، بدأ يفرض نفسه بقوة في بعض أحياء تاونات، مستهدفا فئة المراهقين والشباب، يتسلل إليهم في صمت، عبر أصدقاء السوء أو محيط هش، ليحول لحظات الفضول أو التجربة العابرة إلى إدمان مدمر.

شهادات صادمة لمدمدني “البوفا”

اتضح من خلال لقاءات أجرتها “فلاش 24” مع عدد من الشباب الذين يتعاطون “البوفا”، أن كل المدمنين يقبلون على هذا المخدر الخطير بسبب سعره المنخفض، إذ يتراوح ثمنه بين 50 و150 درهم للغرام الواحد، وهو ما أكده الشاب عزالدين “28 سنة”، الذي بدأ يتعاطى لـ”البوفا” في بداية الأمر رغبة منه في اكتشاف الإحساس الغريب الذي تحدث عنه بعض أصدقائه، إلا أن مفعوله السريع، الذي يبدأ بعد 5 دقائق من تناوله ويمنح النشوة والقوة الذهنية والجسدية، دفعه لشراء جرعات أخرى إلى حين أن أصبح مدمنا وغير قادر على الاستغناء عنه بل في بعض الأحياء يلجأ لسرقة بعض حاجيات البيت و بيعها لشراء هذا المخدر.

غير بعيد عن وسط المدينة، يخفض شاب عشريني صوته وهو يقول لنا:

“كلشي كايتباع… ماشي بعاد عليك، راهم قرابين غير هنا،  غير خاصك تعرف مع من تهضر”.

كلماته تؤكد أن “البوفا” لم يعد سرا، بل أصبح جزءا من شبكة ترويج تعرف كيف تتكيف مع كل بيئة، حتى تلك التي كانت تعتبر عصية على هذا النوع من السموم. الأدهى أن بعض المروجين يختارون ضحاياهم بدقة متناهية من الشباب و المراهقين، مستغلين ظروفهم الاجتماعية و كذا  الفراغ القاتل وانعدام البدائل بالمدينة.

إذا كان المشهد النمطي للمدمن في أذهان الكثيرين يقتصر على الذكور، فإن اليوم تكسر هذا القالب بتاونات رغم طبيعة ساكنتها القروية و المحافظة، شهادات متطابقة تشير إلى تزايد حالات الفتيات اللواتي وقعن في فخ التعاطي، ما يعكس انهيار حواجز اجتماعية كانت قبل سنوات قليلة تعتبر رادعا طبيعيا.

و هذا ما أكدته لنا شابة مدمنة، و قالت أن رحلتها مع المخدرات ابتدأت من لفافات الحشيش “جوانات” و “المعجون”، لتنتقل بعدها إلى الكوكايين قبل أن تكتشف مخدر “البوفا”.

الشابة، رفضت الكشف عن هويتها، قالت  “تعاطيت لهاذ البلية عن طريق صحاباتي، منين كنت كنقرا في البكالوريا، غير جربي رآها زوينا وشويا بشويش لقيت راسي وغلة، يمكن ندير اي حاجة باش نشري هاد السم”. هذه واحدة من الشهادات التي انتقيناها لفتيات في عمر الزهور بين عشية و ضحهاها لقين أنفسهن في مستنقع آسن لا يستطيع الخروج منه.

ووفق معطيات جمعها التحقيق من مصادر محلية عديدة غير رسمية، يقدر عدد المدمنين النشيطين على “البوفا” في المدينة ما بين 60 إلى 200 شخص، أغلبهم بين 17 و 35 عاما.

حوالي 03% من الحالات المسجلة تعود لفتيات، وهي نسبة مثيرة للقلق إذا ما قورنت بتسعينيات القرن الماضي، حين كانت الظاهرة شبه منعدمة، بل وكان ينظر في المجتمع التاوناتي إلى إقدام المرأة على تدخين السيجارة باعتباره “عيبا” وانتقاصا من أنوثتها.

هذه الأرقام تبقى تقريبية في غياب أي إحصائيات رسمية، لكنها تعطي صورة واضحة عن حجم الظاهرة وخطورتها.

أما أكثر الأحياء تأثرا، فنذكر بترتيب عشوائي، أسطار، العشايس، الرميلة، احجردريان، واد الملاح، تاونات العتيقة، القالعة، الدشيار، احجرمطاحين، الدمنة، بالإضافة إلى بعض الأماكن القريبة من المركز.

الخطير في هذا الزحف أنه لا يثير ضجيجا، ولا يعلن عن نفسه كما تفعل الأزمات الكبرى، بل يتسلل بصمت، يهدم الروابط، ويهدد تماسك المجتمع من الداخل.

في ظل هذا السياق، يطرح سؤال المسؤولية نفسه بإلحاح، فبين غياب تدخل أمني منتظم وحازم، وفتور واضح في أداء المدرسة والأسرة، ومحدودية الإمكانيات الاجتماعية، يبدو أن “البوفا” لم يجد مقاومة تذكر في طريقه إلى التغلغل في النسيج المجتمعي المحلي.

وعلى الرغم من بعض المبادرات المتفرقة، فإن المشهد العام يوحي بأن الأمور تتجه نحو مزيد من التعقيد، في غياب خطة جماعية واضحة المعالم.

على الأجهزة الأمنية أن تتحرك بصرامة ضد شبكات الترويج، وعلى المؤسسات التربوية أن تستعيد دورها التوجيهي، وعلى المنتخبين والسلطات المحلية أن يغادروا دائرة الصمت ويتحملوا مسؤولياتهم قبل أن يصبح الأوان قد فات.

الأمر لا يتعلق فقط بمواجهة مادة مخدرة، بل بصيانة مستقبل مدينة، وحماية جيل بأكمله من الضياع.

فهل ما زالت تاونات طاهرة نقية، أم أن أنياب الطامعين قد مزقت براءتها و دنست عذريتها ؟

تاونات.. مخدر "البوفا" ينتشر في صمت بين الشباب و المراهقين
التعليقات (0)
اضف تعليق