تقرير.. فلاش24
في مثل هذا اليوم، 23 يوليوز من سنة 1999، طوى المغرب صفحة من صفحاته المشرقة والمهيبة، برحيل أحد أعظم رجالاته في العصر الحديث: جلالة الملك الحسن الثاني، طيب الله ثراه.
لم يكن الراحل مجرد ملك، بل كان رمزا استثنائيا لقائد فذ، جمع بين الحنكة السياسية والرؤية الاستراتيجية، وبين هيبة الملوك ودهاء المفكرين.
ولد الحسن الثاني في قصر السلطان بفاس سنة 1929، وتربى في كنف والده السلطان محمد الخامس، فنهل من معين الوطنية الصادقة، وتشبع بقيم العروبة والإسلام والحداثة. منذ أن اعتلى العرش سنة 1961، جعل من بناء الدولة الحديثة هدفا استراتيجيا، فقاد المغرب بخطى ثابتة في أحلك الظروف، وتحدى التقلبات السياسية والاقتصادية، الإقليمية منها والدولية، ليؤسس لمغرب المؤسسات، ومغرب القانون، ومغرب السيادة الكاملة.
الحسن الثاني كان مدرسة في فن الحكم والدبلوماسية. خطبه كانت مراجع في الفصاحة والدقة، وقراراته غالبا ما كانت تسبق زمانها. صمد في وجه التحديات الكبرى، من محاولات الانقلاب، إلى سنوات الجفاف، إلى توتر العلاقات الدولية، لكنه كان دائمًا يتصرف بثبات ورباطة جأش القائد الحكيم.
إطلاق المسيرة الخضراء سنة 1975، التي كانت ملحمة وطنية سُجلت بأحرف من ذهب.
تأسيس البرلمان، واعتماد دستور المملكة في عدة محطات، إيمانا بالتدرج الديمقراطي.
بناء البنية التحتية الأساسية للمغرب الحديث: من طرق وموانئ وسدود، إلى جامعات ومؤسسات كبرى.
كان الحسن الثاني شديد التعلق بشعبه، يدافع عنه في المحافل الدولية، ويوجه له خطابات مباشرة تعبر عن حرصه على أمنه واستقراره وكرامته. في المقابل، بادله المغاربة حبًا بحب، ووفاء بوفاء، وظلوا أوفياء لذكراه، جيلًا بعد جيل.
في مساء الجمعة 23 يوليوز 1999، أسدل الستار على مسيرة ملك قل نظيره، تاركا الأمة في حزن ووجوم. لكن روحه بقيت حاضرة في وجدان الأمة، وعقله حاضرا في المؤسسات، ومشروعه مستمرا مع خلفه، جلالة الملك محمد السادس، الذي واصل المسيرة بإخلاص، مستلهما من والده روح البناء والعقلانية.
رحم الله جلالة الملك الحسن الثاني، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن وطنه وأمته خير الجزاء.
سيظل التاريخ يخلد اسم الحسن الثاني كملك عظيم، وقائد فريد، ترك بصمته الخالدة في قلب كل مغربي ومغربية.