مشروع تعديل المدونة بين النقاش الفكري والضجيج السياسي؟

 

ذ. بوناصر المصطفى

 

لا يمكن النظر الى مشروع تعديل مدونة الاسرة بالأمر الهين بل ورش شائك وصعب المراس، كونه من المعادلات الصعبة التي شغلت الراي العام المغربي والعربي نظرا لما اصبحت تفرضه قيم الحداثة من ضغوطات على المجتمعات التقليدانية وبحثها المضنى عن صورة لها قد تلائم قيمها فتسمح لها بالتأقلم مع الوضع الجديد وما تفرضه من ضوابط، العولمة، لكن تستمر بعض الهيئات المدنية المنفتحة على الغرب اما بشكل تلقائي او بقناعة نسبية تنزل قيما غريبة بالتقسيط في البداية لتتفاجئي على حين غفلة انها تسرع الخطى لفرض رؤى غريبة لا تتناسب مع قيم المجتمع المغربي، لدلك اتخذ طرح تعديل مدونة الاسرة حدة في النقاش المجتمعي بشكل غير مسبوقة سواء على الساحة الثقافية او على مواقع التواصل، انقسم فيه المجتمع بين طرف يصفق لجرأة التعديل خصوصا بعد بصمة المجلس العلمي، بينما الطرف الاخر يعتبر هده الجرعة زائدة كونها غير منسجمة في جانبها الديني العقدي نظرا لكون تلك التعديلات تنسف القيم بل وتفكك الاسرة كخلية أساسية في مفهوم الامة.

فإلى اي حد يمكن اعتبار هدا النقاش صحي؟

في ظل أي شروط يمكن للبنية الفكرية للمجتمع المغربي استيعاب هدا القفزة النوعية؟

لقد شكل مشروع تعديل مدونة الأسرة في المغرب نقطة انطلاق لنقاشات عميقة ومعقدة حول الهوية والقيم الاجتماعية، هو بالمناسبة نقاش صحي رغم قوة الانتفاضة هده، لأنه يفصح عن وجود تباين واضح في الآراء ومساحة زمنية بين فئات المجتمع وهدا طبيعي في الصراع بين القيم التقليدية والحداثة.

ان فتح مجال الحوار يزكي حركية النقاش كمنصة لتبادل الآراء والأفكار، مما يسهم في تعزيز ثقافة الجدال الايجابي في المجتمع ويرفع من الوعي الاجتماعي، لتعطي وزنا قويا للقضايا المجتمعية والاسرية على وجه الخصوص، مما يساعد في فهم التحديات التي تواجههم ويسمح بإعادة تقييم القيم والتقاليد لتكون فرصة تحديث بعض المفاهيم التي لم تعد تتناسب مع سيرورة المجتمع وتعرقل تطوره.

لقد اتضح ان دائرة النقاش حول تعديل مدونة الأسرة لم يتم ادارته بشكل صحي عقلاني يراعي اختلاف الرؤى داخل المجتمع بل اجج الحوار بين جميع الأطراف، لتصبح حجم التحديات التي تواجه المجتمعات التقليدية في هده الفترة بالذات لم تعكس الفهم الأعمق للبنية الفكرية للمجتمع المغربي.

فالنقاش الحاد يسمح بانقسام المجتمع، حيث يتخذ البعض مواقف متطرفة تكرس الانقسامات بدلاً من الحوار البناء، لا غرابة في اعتقاد البعض أن تلك التعديلات المقترحة قد تؤدي إلى فقدان الهوية الثقافية والدينية، مما يخلق قلقاً اجتماعيا، لان الضغط على هدا الفئات بهده التغيرات السريعة والغير مهضومة يؤدي إلى إرباكها، خاصةً في ظل عدم وجود دعم متزن وكافٍ لتسهيل عملية الانتقال.

لدلك ان القراءة المتزنة لهذه الانتفاضة عن طريق استنطاق المسكوت عنه في مواقف وخطابات الفئات المعارضة تفرض ان الشرط في أي مقترح هو فهم واستيعاب البنية الفكرية للمجتمع، علما ان الاشكال في كون النسبة الغالبة في المجتمع لا تقبل لا التفاوض لا المساس بالمقدس ولا تفكيك قيم اكتسبتها بالفطرة ولا يجرؤ أحد مناقشة تفاصيلها.

فاستعراض وصفة المناصفة او المساواة بمنسوب قوي وبفارق زمني غير مهضوم، لم يكن بشكل منهجي يراعي هده البنية الفكرية التقليدية، خصوصا في فترة انتقالية طال امدها، اذ استمرت مجموعة من التغييرات والنقلات دون استيعاب وان اتخذت احيانا شكل مغالطات، نتيجة غياب دوائر و هيئات مدنية فاعلة تتبنى القرب لتصحيح مسار تلك النقاشات السائدة، سواء على مستوى العقدي او الحقوقي فطرح حقوق المرأة بهذه الجرأة والتي لم تطرح في منظومة حقوقية شاملة، لذلك تم اعتبارها على انها هجوم على مقومات الرجل العربي، وبالتالي فإن كثافة الأسئلة التي يطرحها المجتمع لم تراوح مكانها.

رغم ان الحقيقة تكشف ان أطرافا سواء في الدولة، او في هيئات سياسية تحاول التظاهر انها اقتنعت بالقيم الجديدة او فقط تبدي تعاطفا حتى لا تصنف في خانة الدوائر الرجعية؟!

فلماذا لم تناقش قيم الأسرة في الحضن الذي ولدت فيه؟

ما الغاية من مقترح تقييم عمل المرأة العاملة في المنزل بمقابل مادي؟

لمادا لم تجرؤ الديانة اليهودية مناقشة منظومة الإرث رغم التفاوت بين أطراف الاسرة؟

الا يمكن ان تؤثر هده المقترحات على تفكك الأسرة كمنظومة موحدة؟

لدلك يبقى المسؤول عن هدا الضجيج الذي بدو في غالبيته سياسيا هو المؤسسة الفقهية مادامت لم تجرؤ على اقتحام باب الاجتهاد وايجاد حلول لمنظومة الأسرة، دون الحاجة لبلقنة تجارب مجتمعات أخرى بالكاد تدور في حلقات مفرغة ولا يمكن اعتبارها نموذج ناجح في مجال التكاتف الاسري.

#ما هي العوامل التي أدت الى حدوث هدا الضجيج السياسي ادا صح التعبير؟

#كيف تحقيق حوار بناء حول موضوع شائك؟

#لمادا غاب اهل الحل والعقد والعارفين بالخبايا؟

مشروع تعديل المدونة بين النقاش الفكري والضجيج السياسي؟
التعليقات (0)
اضف تعليق