متابعة : ك.ب
لقد شكلت طبيعة الحدود المفترضة بين مجالات الصوتيات والصواتة والصرافة والتركيب والدلالة والتداوليات ومواقعها، بل وحتى وجودها، في كثير من الأحيان أسئلة مُحَيِّـــــرَة في البحث اللساني الحديث.حيث رفض البنيويون الأمريكيون، من خلال تصورهم الخاص الذي يفصل بين المستويات اللسانية، قبول المعطيات التركيبية والوقائع الصرافية في مجال الصواتة على سبيل المثال. إن فكرة وجاهات اللغة قد انبثقت نتيجة عدم الرضا المعبر عنه في البحث اللساني المعاصر بشأن الفصل الصارم الذي تم إجراؤه بين المستويات المختلفة المتصورة في دراسة اللغة، أو بين الأنظمة الفرعية التي تشكل معرفتنا بها.
ولعل من نتائج ذلك أن النحو التوليدي في إطار برنامجه الأدنوي، قد اقترح الوجاه ليصف حالة مستويي التمثيل المعترف بهما في البرنامج: الصورة المنطقية (LF) والصورة الأصواتية (PF). ويتمثل دور الوجاه في ربط التمثيلات اللسانية بالتأويل في أمكنة أخرى: وجاهات مع الأنظمة المفهومية للإدراك، ووجاهات مع الأنظمة النطقية والإدراكية لإنتاج الكلام وإدراكه.
ويستكشف مؤتمر الراشيدية في دورته الثالثة المنعقد برحاب الكلية المتعددة التخصصات “الوجاه في البحث اللساني المعاصر” الكيفيةَ التي تتفاعل من خلالها المكونات الأساس للملكة اللغوية، ويبحث في كيفية انعكاس هذه التفاعلات في النظرية اللسانية والمعرفية، وينظر فيما تكشف عنه عمليات اللغة في الذهن البشري، وفي انعكاساتها في التعبير والتواصل. ومن هنا فإن السؤال المركزي للمؤتمر هو: إلى أي مدى تتقاسم الصوتياتُ، والصواتةُ، والصرافةُ، والتركيبُ، والدِّلالَةُ والتداولياتُ المفرداتِ والأُسسَ النّظريةَ نَفْسَهَا؟، وهل صحيح أن المجالات ذات الصلة بالقيود الصرف تركيبية تتقاربُ مع المجالات ذات الصلة بالقيود الصواتية والمخرجات الأصواتية؟.
ويطمح هذا اللقاء العلمي إلى تبيان التطورات في الوجاهات الداخلية بين مستويات الدرس اللساني، وذلك من خلال رؤى تصورية ومنظورات نظرية مختلفة، ويركز على قضايا ومشكلات لسانية متنوعة، ويفتح المجال لتقديم الحجج والبراهين التي تسوقها الأبحاث في مختلف اللغات البشرية.
وإذا كانت الأبحاث اللسانية تتنوع قضاياها بتنوع منطلقاتها الابستمولوجية وتعدد أصولها المعرفية، فإن دراسة السمات المميزة لمختلف طبقات التعابير بأنماطها المختلفة تدل على وجود مستويات وجاهية بين مختلف المستويات اللسانية من جهة، وبين اللسانيات عامة والعلوم الأخرى من جهة أخرى. وهو ما يعضد أهمية دراسة تجليات هذه الوجاهات الخارجية في مستوى الدراسات البينية (بين التخصصات)، وتسليط الضوء على مختلف مظاهر التعالقات الممكنة بين هذه الأبحاث.
محاور المؤتمر:
المحور الأول: الوجاه والتقاطع؛ ويعنى بتقاطع فرضية الوجاه في اللسانيات المعاصرة بنظرية التكامل بين مستويات الدرس اللغوي في التراث اللغوي العربي القديم، والتكامل بين العلوم اللغوية وغيرها من علوم التراث العربي الإسلامي، وهو تكامل منهجي شامل يُــنْبِـئ بالإرهاصات الأولى لفكرة الوجاه.
المحور الثاني: الوجاه والسمات؛ ويعنى بالتقاء المجالات الفرعية المختلفة في اللسانيات مع السمات المميزة؛ فالبحث فيها سيبرز ما إذا كان مفهوم السمة يمكن أن يفهم بطريقة موحدة في سائر المستويات اللسانية الفرعية.
المحور الثالث: الوجاه والصوت؛ ويعنى بالوجاهات بين الصواتة والصوتيات، وبين الصواتة والصرافة، وبين الصواتة والتركيب وبين الصواتة والدلالة؛
المحور الرابع: الوجاه والبنية؛ ويعنى بتفاعلات التركيب مع الصرافة والدلالة، والمعجم، ويستكشف مكانة الكلمة وحالتها التمثيلية في الذهن البشري؛
المحور الخامس: الوجاه والمعنى؛ ويعيد النظر في وجاه التركيب والدلالة من منظور التركيب، وينظر في القضايا المتعلقة بالتطريز والخطاب والسياق؛
وغير خاف كذلك، أن وجاه التركيب والدلالة (المعروفة أيضًا باسم وجاه التركيب والدلالة المعجمية) يطرح التفاعل بين البنيات التركيبية والبنيات الدلالية. وتشمل دراسته الظواهر التي تتعلق بكل من التركيب والدلالة، بهدف شرح الارتباطات بين الشكل والمعنى؛
المحور السادس: الوجاه والقضايا الهندسية العامة؛ ويعنى بالقواعد الكلية، والنموذج الشامل للغة، والنظريات اللسانية وما يرتبط بها من نظريات اللغة والإدراك؛
المحور السابع: الوجاه والاكتساب اللغوي؛ وينشغل بفرضية الوجاه في اكتساب اللغة؛
المحور الثامن: الوجاه الخارجي؛ أي فرضية الوجاه الملحوظ بين اللغة والموسيقى، وبين اللغة والفكر، مما يحتم الحديث عن الوجاه بين اللسانيات والعلوم الأخرى:
أ. اللسانيات والعلوم الإنسانية (علم النفس، وعلم الاجتماع…)؛
ب. اللسانيات والعلوم الحقة (اللسانيات الرياضية، اللسانيات العصبية…)؛
ج. اللسانيات والفلسفة، اللسانيات والمنطق، اللسانيات وعلم الموسيقى…؛
د. اللسانيات والعلوم القانونية والاقتصادية (اللسانيات الجنائية، اللسانيات والاقتصاد…)
وعلى هامش هدا المؤتمر ومن مستويات التحليل اللغوي
دراسة في تكامل الدرس اللغوي عند عبد القاهر الجرجاني
النّحو والدّلالة نموذجًا. في مقال مقدّم للمشاركة في المؤتمر الدولي الثالث المنعقد في مختبر الخطاب وتكامل العلوم والمعارف بالكلية المتعددة التخصصات بالرشيدية – جامعة مولاي إسماعيل من طرف الباحث/ عبد الفتاح الشتيوي
أستاذ التعليم العالي مساعد بالكلية المتعددة التخصصات بالرشيدية لخصه فيما يلي :
“من الأمور البدهية لدى الباحثين – قديمًا وحديثًا – أن اللغة عبارة عن مجموعة من الرموز والأصوات يُتوصّل بها إلى التفاهم والتخاطب بين الجماعات اللغوية المختلفة، غير أن هذه الرموز، ونلك الأصوات خاضعة لقواعد وأسس معيّنة، هي ما عرفت في الدرس اللساني المعاصر بـ(مستويات التحليل اللغوي) الذي يبدأ بدراسة أصغر وحدة لغوية وصولا إلى الجمل، والعبارات، والتراكيب المتنوّعة.
وهذا الملحظ اللساني لم يغفل عنه الدرس اللغوي القديم، بل وجدنا المتقدّمين نبّهوا على ذلك في كتبهم، وتقريراتهم، كابن جني، والجاحظ، والزمخشري، وغيرهم من أرباب الحجا والاجتهاد في هذا المجال.
وفي هذه المقالة يحاول الباحث الوقوف على علَم من أعلام الفكر واللغة الذين برزوا في التحليل اللغوي، وأبدعوا فيه، بل كان لهم قصب السبق في بعض جوانبه من خلال النظر إلى العلائق بين أجزاء الكلام، للتوصل إلى نظرة شمولية في بناء الدرس اللغوي.
وما قضية النظم إلا شاهد صدق على التقاطع المعرفي بين مستويات الدرس اللغوي، ولاسيما التركيب والدلالة.