ليس كل ما في مهرجان إفران موسيقى .. العلم أيضا كان له موعد مع الطبيعة
فلاش 24
بقلم سفيان انجدادي
إفران – خلف المشهد الهادئ لغابات الأرز وبحيرات الأطلس المتوسط، تختبئ تحديات بيئية متسارعة تهدد أحد أهم الكنوز الطبيعية بالمغرب. هذا ما كشفته الندوة العلمية التي احتضنتها جامعة الأخوين بإفران، ضمن فعاليات الدورة الثامنة للمهرجان الدولي لإفران المنظم من طرف جمعية منتدى إفران للثقافة والتنمية، حيث خلصت النقاشات إلى دعوة صريحة لإعادة التفكير في مستقبل المنتزه الوطني لإفران، باعتباره ركيزة للأمن البيئي والمائي بالمملكة.
الندوة، المنظمة تحت شعار “الماء، الغابة، والتنوع البيولوجي من أجل توازن بيئي وتنمية مستدامة”، كانت فرصة للقاء جمع بين خبراء وباحثين ومسؤولين وممثلي مؤسسات عمومية وجماعات ترابية وفعاليات المجتمع المدني وفعاليات إعلامية، في نقاش علمي اتسم بقدر كبير من الصراحة، وخلص إلى أن أكبر التحديات التي تواجه المنتزه الوطني لإفران لم تعد مرتبطة بندرة الدراسات أو غياب التشريعات، وإنما بضعف الحكامة وتشتت المسؤوليات بين المتدخلين.
وأكد المشاركون أن المنتزه الوطني لإفران، المصنف ضمن محمية المحيط الحيوي لأرز الأطلس، يعتبر فضاء طبيعي مهم، فهو خزان استراتيجي للمياه، وموطن لأكبر غابات الأرز بالمغرب، ويحتضن ست بحيرات مصنفة ضمن اتفاقية رامسار، إضافة إلى تنوع بيولوجي استثنائي يضم مئات الأنواع النباتية والحيوانية، بعضها لا يوجد إلا في هذا المجال الطبيعي.
غير أن هذه المؤهلات، بحسب المداخلات، أصبحت تواجه ضغوطا متزايدة بفعل التغيرات المناخية وتراجع التساقطات، إلى جانب الاستغلال المفرط للموارد المائية، والرعي الجائر، والضغط على الغطاء الغابوي، فضلا عن ممارسات سياحية غير مسؤولة بدأت تترك آثارا واضحة على المنظومة البيئية، سواء من خلال انتشار النفايات أو إطعام الحيوانات البرية أو الولوج العشوائي إلى المناطق الحساسة.
وشكل موضوع الحكامة البيئية محورا رئيسيا في أشغال الندوة، حيث شدد المتدخلون على أن الحفاظ على المنتزه لا يقتصر فقط بلورة مخططات جديدة، بقدر ما أصبح مرتبطا بمدى القدرة على توحيد القرار بين مختلف المؤسسات، وإرساء آلية دائمة للتنسيق تجمع الإدارة والباحثين والجماعات الترابية والساكنة المحلية داخل إطار مؤسساتي واضح يضمن تنفيذ البرامج ومتابعتها.
وفي هذا السياق، اعتبر القانون رقم 22.07 المتعلق بالمناطق المحمية خطوة متقدمة نحو إرساء حكامة أكثر فعالية، لكونه يكرس مبدأ التدبير التشاركي ويمنح تصاميم التهيئة قوة قانونية، بما يسمح بالانتقال من مرحلة التشخيص إلى مرحلة الإنجاز. ولم تخل الندوة من رسائل تحمل بعدا عمليا، إذ أبرزت نتائج أبحاث ميدانية أن نظام “أكدال”، الذي توارثته ساكنة الأطلس المتوسط منذ قرون، لا يزال يشكل نموذجا ناجحا في حماية الغطاء النباتي والمحافظة على التنوع البيولوجي. وأكد الباحثون أن الجمع بين هذا الإرث المحلي والمعرفة العلمية الحديثة يمكن أن يشكل أساسا لسياسات أكثر نجاعة في تدبير الموارد الطبيعية.
أما ملف المياه، فقد استأثر بدوره بحيز مهم من النقاش، في ظل التراجع المسجل في منسوب عدد من البحيرات والفرشات المائية. وأجمع المشاركون على أن حماية هذا المورد الحيوي تقتضي تعزيز دور شرطة المياه، وتزويدها بالإمكانات البشرية والتقنية اللازمة، مع توظيف الرقمنة والطائرات المسيرة ونظم المعلومات الجغرافية لتطوير آليات المراقبة والتدخل.
وإذا كانت أغلب المداخلات قد ركزت على الإكراهات، فإنها في المقابل حملت قدرا من التفاؤل، من خلال التأكيد على أن المنتزه الوطني لإفران ما يزال يمتلك كل المقومات ليكون نموذجا وطنيا في مجال التنمية البيئية المستدامة، شريطة اعتماد رؤية مندمجة تجعل من البحث العلمي، والتنسيق المؤسساتي، وإشراك الساكنة المحلية، مرتكزات أساسية في صناعة القرار.
واختتمت أشغال الندوة بالتأكيد على أن مستقبل المنتزه الوطني لإفران لن تحدده وفرة موارده الطبيعية فقط، بل قدرة مختلف الفاعلين على ترجمة التوصيات إلى سياسات ومشاريع ميدانية، تضمن حماية هذا الإرث البيئي للأجيال المقبلة، وتجعل من التنمية المستدامة ممارسة فعلية لا مجرد شعار يرفع في المناسبات.
وبين التحذير من المخاطر والدعوة إلى الإصلاح، بعثت الندوة برسالة واضحة مفادها أن الوقت لم يعد يسمح بتأجيل القرارات، وأن الحفاظ على المنتزه الوطني لإفران لم يعد خيارا بيئيا فحسب، بل أصبح ضرورة تنموية واستراتيجية تهم مستقبل المنطقة والمغرب ككل.
واكتسبت هذه الندوة العلمية أهمية خاصة بالنظر إلى السياق الذي انعقدت فيه، باعتبارها جاءت ضمن فعاليات الدورة الثامنة للمهرجان الدولي لإفران، في لحظة تتزايد فيها التحديات المرتبطة بحماية الموارد الطبيعية والتكيف مع آثار التغيرات المناخية، بما يجعل النقاش حول مستقبل المنتزه الوطني لإفران أكثر راهنية من أي وقت مضى.
وقد أثث أشغالها ثلة من الخبراء والباحثين المتخصصين، من بينهم الأستاذ محمد ريبي، الخبير في المجال البيئي، والدكتور حسن عبا، الباحث المتخصص في التنوع البيولوجي والأنظمة البيئية، والأستاذة زينب بلغيتي، الخبيرة في شرطة المياه، إلى جانب الأستاذة أميمة الصدكي، المهندسة بالمنتزه الوطني لإفران، التي استعرضت المؤهلات البيئية والإكولوجية للمنتزه الوطني لإفران.
وشهدت الندوة حضور السيد إدريس مصباح، عامل إقليم إفران، إلى جانب السيد نائب رئيس جامعة الأخوين، ورئيس المجلس الجماعي لإفران، والمدير الإقليمي لوزارة الصحة والحماية الاجتماعية، وعدد من مسؤولي المصالح اللاممركزة، فضلا عن ممثلي الجماعات الترابية، في مشهد عكس حجم الاهتمام الذي تحظى به القضايا البيئية بالإقليم، وأكد أن حماية المنتزه الوطني لإفران أصبحت مسؤولية جماعية تستدعي تضافر جهود المؤسسات والجامعة والبحث العلمي والمجتمع المدني، من أجل صون هذا الإرث الطبيعي وضمان استدامته لفائدة الأجيال القادمة.