تجريم الإثراء غير المشروع لماذا يخيف قانون محاربة الثراء الغامض؟

0 46

بقلم/ سيداتي بيدا

عاد شبح الإثراء غير المشروع ليطارد النقاش العمومي في المغرب من جديد، بعد سنوات من سحب مشروع القانون الجنائي الذي كان يتضمن مقتضيات اعتبرها كثيرون سلاحاً تشريعياً ضرورياً في مواجهة الفساد والاغتناء غير المبرر. وبينما تتواصل الوعود بإخراج صيغة جديدة أكثر توازناً، يزداد السؤال إلحاحاً: لماذا تأخر هذا القانون كل هذا الوقت؟
ففي الوقت الذي تتعاظم فيه المطالب الشعبية بتخليق الحياة العامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، لا يزال أحد أبرز النصوص المرتبطة بمحاربة الفساد حبيس الرفوف، رغم أن تجريم الإثراء غير المشروع أصبح آلية معتمدة في العديد من التجارب الدولية لملاحقة تضخم الثروات غير المفسر لدى المسؤولين والموظفين العموميين.
وخلال ندوة نظمتها الجمعية المغربية لمحاربة الرشوة “ترانسبارنسي المغرب” وهيئة المحامين بالرباط، عادت الانتقادات بقوة إلى قرار سحب المشروع سنة 2021. فالمبررات الرسمية تحدثت آنذاك عن ضرورة مراجعة بعض المقتضيات لضمان احترام قرينة البراءة وحماية الحقوق الدستورية، غير أن مرور السنوات دون تقديم بديل فعلي جعل كثيرين يتساءلون إن كان الأمر يتعلق بمراجعة قانونية أم بتجميد سياسي لملف بالغ الحساسية.
ويرى عدد من الحقوقيين والخبراء أن جوهر الإشكال لا يكمن في القانون نفسه، بل في الجرأة على تفعيله. فالإثراء غير المشروع لا يعاقب النجاح أو الثروة المشروعة، وإنما يطرح سؤالا بسيطا ومباشرا : من أين لك هذا؟ وهو سؤال تعتبره الديمقراطيات الحديثة مدخلا أساسيا لحماية المال العام وتعزيز الثقة في المؤسسات.
وفي هذا السياق، حذر متدخلون من أن استمرار الفراغ التشريعي في هذا المجال يبعث برسائل سلبية للرأي العام، خصوصاً في ظل تنامي الشعور بأن ملفات الفساد الكبرى غالباً ما تواجه بطء المساطر أو تعقيدات المتابعة، بينما تتسع الهوة بين الخطاب السياسي والممارسة الواقعية.
إن معركة مكافحة الفساد لا تحسم بالشعارات ولا بالتصريحات الموسمية، بل بإرادة تشريعية واضحة وآليات رقابة فعالة وقوانين لا تستثني أحدا. لذلك فإن تأجيل الحسم في تجريم الإثراء غير المشروع لم يعد مجرد تأخير تقني في مسار قانوني، بل أصبح اختبار حقيقيا لمدى جدية الدولة في الانتقال من مرحلة إعلان الحرب على الفساد إلى مرحلة خوضها فعليا.
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: هل سيبقى قانون الإثراء غير المشروع مشروعا مؤجلا إلى أجل غير معلوم، أم أن لحظة المحاسبة التشريعية قد اقتربت.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.