إيران ليست الهدف… بل ساحة صراع بين واشنطن وبكين

0 177

 

بقلم سفيان انجدادي.

لم تعد الحروب في النظام الدولي المعاصرتفهم فقط من خلال ما تعلنه الحكومات أو ما تنقله القنوات الإخبارية، بل باتت تقرأ ضمن سياق أوسع يرتبط بالتحولات العميقة في موازين القوة السياسية والاقتصادية. وفي هذا الإطار، تسعى وسائل الإعلام الدولية، خصوصا الأمريكية والإسرائيلية وحلفاؤهما، إلى تقديم رواية محددة للحرب الدائرة بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى. غير أن المتتبع الدقيق للتحولات الجيوسياسية التي عرفها العالم بعد جائحة كورونا سنة 2020، وما أعقبها من اضطرابات اقتصادية وتقلبات في العلاقات الدولية، يدرك أن ما يجري قد يتجاوز كونه مجرد مواجهة عسكرية مباشرة، ليعكس في العمق صراعا أوسع حول إعادة تشكيل موازين القوة في النظام الدولي، خصوصا بين الولايات المتحدة والصين.

فخلال السنوات الأخيرة برزت مؤشرات عديدة على تنامي النفوذ الصيني على الساحة الاقتصادية العالمية، وهو ما اعتبرته واشنطن تحديا مباشرا لمكانتها التقليدية كقوة مهيمنة. وفي ظل السياسات التي انتهجتها إدارة دونالد ترامب، اتجهت الولايات المتحدة إلى إعادة صياغة استراتيجيتها الدولية بهدف احتواء الصعود الصيني. وفي المقابل، تبنت الصين خطابا يقوم على إعادة التوازن إلى النظام الدولي، من خلال تعزيز التعاون الاقتصادي وتوسيع الشراكات التجارية، مع التأكيد على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.

وفي هذا السياق، قد لا تكون الحرب التي تظهر على شاشات التلفزة هي التعبير الحقيقي عن طبيعة الصراع القائم، بل إن جوهر التنافس يدور في مستويات أعمق تتعلق بالاقتصاد العالمي ومراكز النفوذ الاستراتيجي. فقد استطاعت الصين خلال العقد الأخير تحقيق تقدم اقتصادي لافت، الأمر الذي مكنها من التحول إلى قوة اقتصادية كبرى قادرة على منافسة الهيمنة الاقتصادية الأمريكية، وهو ما أثار قلقا متزايدا لدى صناع القرار في واشنطن.

ويتميز النموذج الصيني في التوسع الدولي باعتماده أساسا على الأدوات الاقتصادية والاستثمارية عوض اللجوء إلى التدخلات العسكرية المباشرة. فقد نجحت الصين في بناء شبكة واسعة من العلاقات التجارية والاستثمارية مع عدد كبير من الدول، مما جعلها الشريك الاقتصادي الأول للعديد منها. كما عملت على توسيع استخدام العملة الصينية في المبادلات التجارية مع دول مؤثرة في مجال الطاقة مثل روسيا وفينزويلا إلى جانب إيران، وهو ما اعتبر خطوة تسعى من خلالها هذه الدول إلى تقليص الاعتماد على الدولار الأمريكي في التعاملات الاقتصادية الدولية.

وتكتسب مسألة الطاقة أهمية محورية في هذا الصراع، إذ تشكل أحد أهم مفاتيح النفوذ في الاقتصاد العالمي. فالصين تعد من أكبر مستوردي النفط في العالم، كما ترتبط بعلاقات اقتصادية متنامية مع عدد من الدول التي تمتلك احتياطات نفطية كبيرة، وفي مقدمتها فنزويلا التي تعد من الدول التي تمتلك احتياطي نفطي. وقد أدى هذا التقارب الاقتصادي إلى إثارة مخاوف لدى الولايات المتحدة من احتمال تشكل شبكة اقتصادية قادرة على الحد من نفوذها المالي والاقتصادي في الأسواق العالمية.

أما في منطقة الشرق الأوسط، فيظل الملف الإيراني أحد أبرز بؤر التوتر في العلاقات الدولية منذ عقود. فقد دأبت إسرائيل منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي على التحذيرمن اقتراب إيران من امتلاك قدرات نووية عسكرية، وهو الخطاب الذي استخدم مرارا لتبرير سياسات الضغط والعقوبات بل وحتى التلويح بالعمل العسكري. غير أن قراءة أوسع للسياق الجيوسياسي تشير إلى أن هذا الملف لا يرتبط فقط بالبعد الأمني أو النووي، بل يتصل كذلك بإعادة رسم خريطة النفوذ في منطقة تعد من أهم مناطق العالم من حيث الموارد الاستراتيجية وممرات الطاقة.

وفي ضوء هذه المعطيات، تبدو الأهداف الاستراتيجية للسياسة الأمريكية متعددة الأبعاد، إذ تتقاطع فيها اعتبارات الاقتصاد والطاقة مع الحسابات الجيوسياسية الكبرى. فمن جهة تسعى واشنطن إلى الحفاظ على موقعها القيادي في النظام الدولي من خلال التحكم في أسواق الطاقة العالمية، ومن جهة أخرى تعمل على الحد من توسع النفوذ الصيني في المناطق الحيوية للاقتصاد العالمي. كما يرتبط هذا التوجه بمحاولات إعادة ترتيب التحالفات الإقليمية، سواء عبر تعزيز العلاقات مع دول الخليج أو من خلال دعم مسارات التطبيع بين عدد من الدول العربية وإسرائيل في إطار ما يعرف بالاتفاقية الابراهيمية.

كما أن التقارب الذي شهدته العلاقات بين بعض القوى الإقليمية، ومن بينها التقارب بين إيران والمملكة العربية السعودية بوساطة صينية، أثار قلقا لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، لكونه قد يؤدي إلى إعادة تشكيل موازين القوة داخل الشرق الأوسط ويمنح الصين دورا سياسيا متناميا في المنطقة. ويزداد هذا القلق مع توسع تكتلات اقتصادية دولية مثل BRICS التي تسعى إلى تعزيز نظام اقتصادي عالمي أكثر تعددية وأقل اعتمادا على الهيمنة المالية التقليدية.

إن فهم الصراعات الدولية المعاصرة يقتضي تجاوز القراءة السطحية للأحداث والنظر إليها في إطارها البنيوي الأعمق. فالتاريخ يعلمنا أن الإمبراطوريات لا تسقط فجأة، بل تبدأ مؤشرات التراجع عندما تفقد السيطرة على مفاتيح القوة الأساسية، وفي مقدمتها الطاقة والتجارة والعملة. ومن هذا المنظور، فإن ما يجري اليوم في غيران قد لا يكون صراع إقليمي محدود، بل جزء من مواجهة أوسع حول مستقبل النظام الدولي، حيث تسعى القوى التقليدية إلى الحفاظ على موقعها في القمة، في حين تعمل القوى الصاعدة على إعادة صياغة قواعد التوازن العالمي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.