الحاشية ورهاب المسؤول الجديد..!

0 455

 

عادل عزيزي

مع كل تعيين جديد لمسؤول في إدارة أو جماعة أو إقليم، تبدأ مرحلة “إعادة التموضع”، ذلك الطقس الإداري القديم الذي لا يخضع لأي إصلاح أو تحديث.
فقبل أن يجف حبر القرار، تكون الحاشية قد استنفرت، وبدأت في حفظ ملامح القادم الجديد، وصوته، وطريقة مشيه، وتُحصى ابتساماته في الدقيقة، لأن “فهم المزاج” أهم من فهم النظام الداخلي!
الخوف هنا ليس من التغيير، بل من الغموض، الموظفون والوسطاء والمستفيدون يتساءلون بصوت خافت، من سيبقى ومن سيغادر؟ من سيكون قريبا من “المكتب الكبير” ومن سينفى إلى الهامش؟
إنه “رهاب المسؤول الجديد”، ذلك القلق الجماعي الذي يسيطر على المكاتب كلما تغير الاسم في رأس الوثائق الرسمية، وكأن الكفاءة لا تعني شيئا، ما دام الولاء والتملق هما العملة الأكثر تداولا.
في الأيام الأولى، تتحرك آلة التودد بأقصى سرعتها، زيارات “مجاملة”، اتصالات “ترحيب”، وابتسامات تتجاوز حدود المنطق، فجأة، يصبح الجميع “متحمسين للمرحلة الجديدة” التي لم تبدأ بعد، وكأنهم يعلنون توبتهم عن عهد سابق كانوا فيه من المسبحين بحمد المسؤول المنصرف..!
أما الحاشية، فهي مؤسسة قائمة بذاتها، تملك خبرة طويلة في فنون البقاء، أفرادها لا يرحلون مع من يرحل، بل يغيرون الشعارات فقط، يعلقون صورا جديدة مكان القديمة، ويتحدثون بثقة عن “النهج الجديد” الذي لم يفهموه بعد.
هم يعرفون أن السلطة تتغير، لكن لغة التملق ثابتة، لا تصاب بالتقاعد..؟
تتغير الشعارات بسرعة تفوق سرعة التحول الرقمي للحكومة، ويهب المادحون لتمجيد القادم كما لو كان المخلص المنتظر، فيما يتفرغ آخرون لتعرية من غادر منصبه، لتكتشف في النهاية أن الوجوه تتبدل، أما المشهد فباق على حاله، ثم يبدأ الهمس،
الرجل هذا مختلف تماما… عنده رؤية ثاقبة في حل المشاكل!
وهم لم يروه بعد و لم يسمعوا به  إلا في نشرة الأخبار..!
الحاشية تعرف قواعد اللعبة جيدا، المسؤول يتغير، لكن النفاق ثابت لا يتزعزع؟
وفي مقابل هذا المشهد الكوميدي، يقف المواطن البسيط كعادته متفرجا، يعلم أن الوجوه تتبدل، لكن الواقع غالبا لا يتغير، نفس المشاكل، نفس التبريرات، نفس الصمت، وحده الخطاب الإداري يتجدد في صياغة العناوين، “المرحلة الجديدة، المقاربة التشاركية، التواصل والإنصات للساكنة..”، وهي كلمات تشبه اللافتات التي تعلق فقط لتنسى.
الحقيقة أن “رهاب المسؤول الجديد” ليس ظاهرة شخصية، بل انعكاس لثقافة إدارية كاملة، جعلت من المسؤول معبودا، ومن القرب منه عبادة، ومن التملق وسيلة ترقي أسرع من الكفاءة.
وفي هذا الجو المشحون بالمصالح، يصبح المسؤول الجديد أسيرا لحاشيته قبل أن يكتشف نفسه، يستمع لهم حتى يظن أنهم يمثلون “نبض الشارع”، بينما هم بالكاد يمثلون نبض الطاولة.
وهكذا تستمر اللعبة ذاتها، يتغير المسؤولون، تتبدل الخطابات، تتلون الشعارات، لكن الحاشية باقية لا تتزحزح، ويبقى السؤال المؤجل دائما، هل سيأتي يوم نرى فيه مسؤولا يرى بعينيه لا بعيني حاشيته…؟، ولا يخاف منها…؟، ولا يحتاجها أصلا…؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.