لماذا تأخر قطار التنمية عن إقليم تاونات..؟

0 1٬006

 

عادل عزيزي

هو سؤال حارق، ولن نجد له جوابا شافيا مَهْمَا قلبناه بحثا، لماذا تأخر قطار التنمية عن إقليم تاونات؟ هذا السؤال لا زال يتردد بتنوع مصدره، وفيه مقاربة توازي تصنيف الإقليم ضمن الماضي المقاومة، والحاضر النَّكُوص، قد تتعدد الإجابات، والكل منَّا يُجيب من مرجعية ذاتية، أو تجربة أو تصور، يرى فيه سببا وجيها لتأخر قطار التنمية عن إقليم تاونات، ومنه قد ينطلق في إجاباته.

المسألة ليست طبعا بالمفاضلة، والحسم في جواب جاهز عن سؤال إشكالي: لماذا تأخر قطار التنمية عن إقليم تاونات؟ بل المسألة باتت حاضرة بقوة، وتروم نحو البحث عن الأسباب الحقيقية، دون البقاء في تعداد بقايا الأعراض العاقة بمظاهر تأخر الإقليم، والغرق في التشخيصات المُرْهقة.

قد تتعدد أسباب تأخر الإقليم، وقَلَّمَا يتم الانتباه بالعمق المطلوب، باعتبار أن المشكلة مركبة وممتدة بين ما هو وطني مُنْتظم في غياب المال العام الموجه نحو تاونات لتحسين البنية التحتية المهترئة، وبين ما هو جهوي حيث أزيل الإقليم من مخططات التنمية الشاملة، و دائما يأتي في المراتب الأخيرة من الاهتمام داخل الجهة سواء الجهة الحالية “فاس مكناس” أو السابقة “الحسيمة – تازة – تاونات” ، فهو يصنف من التوابع المجرورة، وبين ما هو داخلي ومحلي ويصعب علينا تعداده في مقال واحد، لأنه يحمل تداخل الإخفاق السياسي، وعوز العنصر البشري الرائد، و غياب رؤى واضحة للعمال المتعاقبين على الإقليم.

هنا بالضبط بدأنا نقتفي بالتحليل والتفكيك نماذج من علامات تشوير سبب التأخر الكلي لا الجزئي بالإقليم، هنا بالضبط يمكن المساهمة في تقديم الإجابات المطلوبة والمتنوعة والمتعددة لإشكاليات إقليم مهمش، هنا قد نلتمس العذر بعدم ربط أسباب التأخر بأشخاص بعينهم، بل نعوم الأسباب بتعدد العوامل وتشابك المصالح، هنا يمكن البدء بالتحليل من أن وجبة التنمية بإقليم تاونات كانت شحيحة، وتفرقت الأسباب بتعدد المتدخلين.

لابد لنا من تعرية معيقات التنمية بإقليم تاونات، لعل وعسى أن تكون هنا أو هنالك أيادي بيضاء تمتد نحو الإقليم للعناية الفضلى باعتباره إقليما غنيا بثرواته الطبيعية والإيكولوجيا والفلاحية.

غياب هوية للإقليم: استطاعت مجموعة من المدن المغربية أن تبلور هوية تميزها عن غيرها من المدن الأخرى، فاس لها هوية علمية، الرباط له هوية إدارية، البيضاء لها هوية اقتصادية، مراكش نموذج سياحي، الهوية شرط محدِّد في صياغة نمط ونوعية المخططات والبرامج التنموية المحلية المنشودة، لم تتمكن الأطراف الفاعلة بالإقليم من إبراز هوية له.

غياب سياسات عمومية ناجعة: ثمة اعتقاد سائد لدى المواطن التاوناتي مفاده أن غياب التنمية المحلية بالإقليم، ليس نتيجة عفوية بل هو فعل إرادي، تسعى من خلاله بعض من دوائر صناعة القرار السياسي إلى جعل إقليم تاونات ضمن دائرة المناطق التي من خلالها يتم ترتيب الخريطة الانتخابية على الصعيد الوطني أو الجهوي أو الإقليمي، وبالتالي يتوجب الإبقاء على سياسات عمومية هشة بالإقليم.

انتظارية السلطتين الإقليمية والمحلية: من المؤكد أن دور السلطتين المحلية والإقليمية حاسم في تفعيل واحتضان مختلف البرامج التي يتم برمجتها إما على مستوى البرامج الحكومية أو الجهوية أو على المستوى المحلي، يسجل على المستوى التنموي بالإقليم انتظارية غير مبررة في معالجة مجموعة من القضايا التي تقع تحت دائرة اختصاص هاتين السلطتين.

أزمة النخب المحلية: إن تأخر قطار التنمية عن إقليم تاونات هو نتاج رداءة المشهد السياسي بالإقليم، وتدني مستوى الخطاب السياسي لغياب نخب قادرة على إعطاء رؤية واضحة حول الأزمة، وتقديم إيجابيات شافية حول سؤال الفعل التنموي بإقليم تاونات، والذي تتحمل المسؤولية فيه الأحزاب السياسية كاملة، بسبب ضعف التكوين السياسي وتراجعها عن الأدوار التأطيرية والإحساس بروح المسؤولية، وهذا كله نتاج انغلاق الأحزاب على ذاتها وسيطرة عينة على دواليب وشؤون المؤسسة الحزبية، وهذا ما جعل حالة النفور و خلق أزمة ثقة لدى المواطنين في الممارسة السياسية برمتها.

أحزاب سياسية مترهلة: يسترعي انتباه المتتبع للشأن السياسي بالإقليم أن أغلب الأحزاب السياسية بتاونات، تخلت عن دورها في ممارسة التأطير والتكوين للمواطنين، إذ يلاحظ شبه انعدام لأنشطتها الداخلية والإشعاعية بالإقليم على مدار السنة، مما جعلها تتحول الى مقاولات انتخابية تشتغل بمنح/ بيع التزكيات لمن يدفع أكثر، وهو ما يفسر أن منطق (اختيار أو ترشيح) وكلاء اللوائح يدبر بمنطق السوق. وهذا ما يفرز نخبا محلية فاقدة للمصداقية وللشرعية النضالية والأخلاقية والنزاهة الفكرية، وأنه لا اعتبار للهوية السياسية للمرشح مما يكرس مزيدًا من تبخيس العملية السياسية عموما.

مجتمع مدني معطل: لعل أحد الديناميات المهمة في التنمية المحلية حضور المجتمع المدني كقوة ترافعية في اتجاه مزيد من الطلب على المشاركة والانجاز والمساهمة من أجل تحقيق الجودة في الحياة، بالنسبة للإقليم فإن المشكل يتجلى في أن الجزء الأكبر المحسوب على المجتمع المدني هو صاحب الصوت الأعلى، في وقت تجده يقتات من الدعم الذي يحصل عليه من هنا أو هناك، وجزء آخر يندرج ضمن دائرة عملية تحقيق التوازن والتشويش على الجمعيات الجادة، والجزء الأخطر الفتاك بالتنمية هو ذاك الذي له ارتباط بدوائر صناعة القرار المحلي؛ حيث يستثمر منطق الابتزاز والتخويف والترهيب والتشهير، بينما يبقى جزء قليل من المجتمع المدني الحقيقي والفاعل والذي اختار العمل في صمت الاشتغال على ملفات عوائدها كبيرة تستلزم وقتا أطول، يسجل أن صوته غير مسموع أو لا يراد سماعه، وتتم محاصرته.

لم يكتب لقطار التنمية بإقليم تاونات ان يصل بعد، لأن مقصورة المعالجة والقيادة أصابها الوهن والضعف، جراء تداعيات أزمة العطش والتهميش، والإقصاء الذي يعانيه سكان المغرب المنسي، فمن الطبيعي أن نعيش مثل هكذا وضع راهن بمختلف أقاليم المغرب المنسي، لأن الذات المفكرة في واقع الفعل التنموي، أصبحت فاقدة للحس التنموي غلبها الطابع السياسي حتى اختلط السياسي بالتنموي، وضاع بينهما المعطى الانساني كمحور أساسي وعلى أساسه وجد القطار في قاعة الانتظار.

لذلك فإقليم تاونات هو جزء من هذه الإشكالات البنيوية التي أريد لها أن تكون، لإخفاء طريق القطار التنموي بين جبال و تضاريس مقدمة جبال الريف، فعوض الاستثمار في المجال وفق مقاربة مجالية، تعيد تصالح المواطن مع الفاعل السياسي، اتجه هذا الأخير إلى حلبة الصراع السياسوي، و ضياع الزمن التنموي على أفقر إقليم ولسان حال ساكنته يقول هنا استوطن الفقر والتهميش.

الإقليم في الإنعاش ومسؤولوه مطالبون بإنقاذه واستئصال أورام تهدده لم يجد قطار التنمية بتاونات سكته الصحيحة الموصلة لإقلاع حقيقي وآمن وبسرعة ناجعة، فقطار التنمية بتاونات قد تأخر، و المواطن الذي سيركب القطار أعياه الانتظار و ارتمى على الرصيف يحتضر، ويبدو أن تأخر الانطلاقة سيطول طالما أن قاعة القيادة منشغلة بصراعها لفرز فاعلين ضعاف.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.